الدراما المغربية بين الأمس واليوم: مساراتُ التحوّل وإشكالاتُ الهوية والتلقّي

   الدراما المغربية بين الأمس واليوم: مساراتُ التحوّل وإشكالاتُ الهوية والتلقّي

الباحثة والناقدة آمال بن الطاهر

مقدمة: لماذا نسأل عن الدراما الآن؟

ثمة لحظات في تاريخ أي فن تصبح فيها المساءلة ضرورة لا ترفاً نقدياً.

الدراما المغربية تعيش اليوم إحدى هذه اللحظات بامتياز؛ لحظة يتراكم فيها الإنتاج كمّاً، وتتضارب فيها التقييمات، ويتسع فيها الجمهور، غير أن السؤال الجوهري يظل معلّقاً: هل الكثرة دليل عافية؟ وهل التوسع الكمي يُرادف النضج الفني والفكري؟ لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من دون العودة إلى النشأة، ومن دون تشريح مسار التحوّل في ضوء المتغيرات الاجتماعية والسياسية والتقنية التي أعادت تشكيل العلاقة بين الدراما والمجتمع.

1. البدايات — الدراما بوصفها مشروعاً تنويرياً:

نشأت الدراما التلفزيونية المغربية في سياق تكوين الدولة الحديثة، وبناء المؤسسات الإعلامية في العقود التي أعقبت الاستقلال. لم تكن آنذاك مجرد ترفيه، بل كانت امتداداً لمشروع المسرح المغربي الذي انبثق في أحضان الحركة الوطنية وتشبّع بهمومها. كانت الدراما تحمل رسالة: تشكيل وعي مواطن جديد، ونقل التراث، وصياغة هوية جمعية في مواجهة موروثات الاستعمار.

في هذا السياق، كانت “اللغة” الدارجة وسيلةً للتواصل العميق مع الجمهور الشعبي، فيما التمثيل كان يستمد مرجعيته من المسرح في تقنياته ومن الحكاية الشفهية في روحه. المخرج والكاتب لم يكونا يصنعان منتجاً بالمعنى التجاري، بل كانا يتحملان مسؤولية ثقافية، وكثيراً ما كانت المحدودية المادية تولد إبداعاً في التعامل مع المكان والحوار والشخصية بديلاً عن البهرجة البصرية.

الإشكال الأول الذي يطرحه هذا الأفق التاريخي: هل كانت الدراما المغربية في بداياتها فعلاً تنويرياً حقيقياً، أم أنها كانت في الغالب أداةً في خدمة الخطاب الرسمي للدولة؟ هذا السؤال ليس نقداً إيديولوجياً بقدر ما هو استفهام منهجي عن طبيعة العلاقة بين الإبداع والسلطة في سياقات التأسيس.

2. مرحلة الانتقال — الهاتف بين الفن والسوق:

مع تحولات التسعينات ومطلع الألفية الثالثة، دخلت الدراما المغربية مرحلة مخاض حقيقية. تعدد القنوات، وانفتاح المشهد الإعلامي النسبي، وصعود منطق الإنتاج التجاري، كل ذلك وضع الدراما أمام معادلة جديدة: جمهور أوسع يعني إمكانات مالية أكبر، لكنه يعني أيضاً ضغطاً نحو الاستجابة للأذواق الأكثر شيوعاً، أي الانحياز إلى الإضحاك السهل، والقصة العاطفية غير المعقدة، والاستثمار في أسماء الممثلين بديلاً عن الرهان على النص.

هنا تبدو إشكالية محورية في تاريخ أي دراما: ما الثمن الفني الذي تدفعه الدراما حين تتحول من فعل ثقافي إلى منتج يخضع لقانون العرض والطلب؟ تجارب دولية متعددة — من مصر إلى تركيا إلى كوريا الجنوبية — تُظهر أن هذا التحول ليس حكماً بالضرورة بالفشل، بل يمكن أن يكون منطلقاً لدراما شعبية رفيعة المستوى، شريطة أن تحافظ على عمقها الإنساني وتتعامل مع الجمهور بوصفه شريكاً لا متلقياً سلبياً.

غير أن الملاحظ في الحالة المغربية أن هذا الانتقال أفضى في كثير من الأحيان إلى ما يمكن تسميته “دراما القوالب”: قالب المسلسل العائلي الكوميدي في رمضان، قالب الدراما الاجتماعية التي تطرح مشكلة ولا تعمّق التساؤل فيها، قالب الثري الظالم والفتاة الفقيرة المظلومة. هذه القوالب لا تعني بالضرورة غياب الموهبة، لكنها تكشف عن هيمنة منطق الأمان التسويقي على حساب المغامرة الفنية.

3. الدراما اليوم — الوفرة والفراغ معاً:

يعيش المشهد الدرامي المغربي اليوم حالة لافتة من التناقض: لم يسبق أن كان الإنتاج بهذا الحجم، ولم تسبق أن كانت الإمكانات التقنية بهذا المستوى، ولم تسبق أن كان الممثلون المغاربة يحظون بهذا القدر من الانتشار خارج الحدود.

ومع ذلك، يتكرر التساؤل في الأوساط الثقافية وحتى في دوائر المهنيين أنفسهم: أين الأثر العميق؟ أين المسلسل الذي أعاد تشكيل طريقة تفكيرنا في قضية اجتماعية؟ أين الشخصية الدرامية التي رسخت في الذاكرة الجمعية كما رسخت أدوار من سبقوا؟

الإشكالية هنا ليست غياب الموهبة، بل غياب البيئة الحاضنة للمخاطرة الإبداعية.

المنتج يخشى الخسارة، والقناة تخشى هبوط نسب المشاهدة، والكاتب يصطدم بجدران غير مرئية تحدد ما يمكن تناوله وما يجب تجاوزه، والمخرج يُمارَس عليه ضغط الوقت وضيق الميزانية بما يجعل الاهتمام بالتفاصيل الجمالية ترفاً يتأخر. النتيجة هي دراما تُشغِل الشاشة من دون أن تشغل العقل.

4. اللغة في الدراما — معركة غير محسومة:

لا يمكن الحديث عن الدراما المغربية من دون الوقوف عند مسألة “اللغة”، وهي من أكثر المسائل تعقيداً وحساسية. المشهد الراهن يكشف عن تعدد لغوي حقيقي: الدارجة المغربية بتنويعاتها الجهوية، والأمازيغية بلهجاتها الثلاث الكبرى، والعربية الفصحى، والفرنسية التي تتسرب حيناً إلى الحوار وكأنها جزء عضوي من الشخصية.

هذا التعدد ليس مشكلة في ذاته، بل هو انعكاس صادق لواقع مغربي حقيقي.

لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل تعامل الدراما المغربية مع هذا التعدد اللغوي هو تعامل واعٍ، أم أنه يعكس ارتجالاً وغياباً للرؤية؟ كثيراً ما يُلاحَظ أن الدراما الأمازيغية والحسّانية معا تظلان في فضاء مخصص لهما كأقلية من حصة، بدل أن تندمجا في النسيج العام للإنتاج الدرامي. وكثيراً ما تُستعمَل الفرنسية في الحوار للدلالة على الثراء أو الحداثة بشكل نمطي مبسّط.

هذه المعالجة اللغوية السطحية تختزل تعقيداً اجتماعياً حقيقياً في مجرد كليشيهات.

5. المرأة في الدراما المغربية — بين الصورة والواقع:

تحتل قضية تمثيل المرأة في الدراما المغربية مساحة جديرة بالتحليل الجاد.

إذ يُلاحَظ أن الشخصية النسائية في كثير من المسلسلات لا تزال رهينة ثلاثة أدوار متكررة: الأم التي تتحمل بصمت، والضحية التي تنتظر إنقاذاً، والخصم اللدود في سياق الزوجة الثانية أو الحماة.

بينما تظل الشخصية النسائية المستقلة — المعقدة في دوافعها، المتناقضة في خياراتها، الفاعلة في مصيرها — حاضرة بصورة تبقى بدون مستوى التحول الاجتماعي الذي تشهده المرأة المغربية في الواقع.

الإشكال الحقيقي هنا مزدوج: هل الدراما تعكس الواقع، أم تصنعه؟

وإذا كانت كلتا الوظيفتين صحيحتين جزئياً، فهل تتحمل الدراما مسؤولية أخلاقية عن الصور النمطية التي تُعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل؟

6. رمضان بوصفه موسما استثنائياً — “البركة والإشكال” في آنٍ واحد:

الموسم الرمضاني محطة فاصلة في حياة الدراما المغربية، إذ يتحول فيه الإنتاج إلى صناعة موسمية بامتياز.

عشرات المسلسلات تُنجَز في وقت قياسي، وملايين المشاهدين يُتابِعون في آنٍ واحد، مما يخلق حالة نادرة من الحضور الجمعي حول شاشة واحدة.

هذا الحضور هو في حد ذاته مورد ثقافي واجتماعي استثنائي.

لكن الإشكال أن هذا الضغط الموسمي يفرض منطقاً يتعارض مع متطلبات الإبداع المتأني: الكاتب يكتب بسرعة، المخرج يُصوّر بسرعة، الممثل ينتقل من تصوير إلى آخر من دون أن تتأصل الشخصية في وجدانه.

الناتج هو دراما تصلح للاستهلاك الفوري، لكنها نادراً ما تُشكّل تلك التجربة التي يحتفظ بها المشاهد بعد أن ينتهي شهر رمضان وتبدأ أيام العادي.

يمكن طرح الأمر على شكل انتظار مشروع: هل بالإمكان، في ظل هذه القيود، إنتاج دراما رمضانية لا تقنع بالبقاء في دائرة الترفيه الانعكاسي، بل تطمح إلى أن تكون فضاءً للتأمل والسؤال؟

7. المنصات الرقمية — فرصة أم فخ جديد؟

أعادت منصات البث والمحتوى الرقمي تشكيل المشهد الدرامي عالمياً، والمغرب لم يكن في منأى عن هذا التحول. صعود المسلسل التركي وتأثيره في الأذواق المغربية، والاهتمام المتصاعد بالدراما الكورية، والحضور المتنامي للإنتاجات الخليجية، كل ذلك جعل المشاهد المغربي متعرضاً لمقارنات لم تكن ممكنة من قبل، وجعل المنتج المغربي أمام تحدي التنافسية.

المنصات الرقمية تفتح إمكانات حقيقية: إنتاج مستقل بعيداً عن إملاءات القنوات التقليدية، وجمهور يمكن استهدافه بأعمال أكثر جرأة وتخصصاً.

غير أن الخطر يكمن في الوقوع في فخ مغاير: تقليد السائد عالمياً وإلباسه مغربية سطحية، بدل بناء رؤية درامية أصيلة تنطلق من عمق المحلي لتصل إلى الإنساني العالمي.

خاتمة: نحو دراما تسأل ولا تكتفي بالإجابة

بناء على كل ما سبق؛ يتضح أن الدراما المغربية تمتلك رصيداً حقيقياً من المواهب والتجارب والجمهور والتاريخ. ما ينقصها ليس الإمكانات بالمعنى المادي، بل ثقافة الرهان على النص العميق، وسياسة إنتاجية تُعلي من شأن الكتابة قبل أي شيء آخر، وشجاعة في تناول مناطق الواقع المغربي التي لا تزال مسرحاً غائباً عن الشاشة.

الدراما التي تسأل أصعب صنعاً من الدراما التي تجيب، لكنها وحدها القادرة على أن تبقى. حين يشاهد المغربي مسلسلاً ويجد فيه شيئاً من حقيقته المعقدة — لا صورته المبسطة ولا مثله الأعلى المصطنع — فإن الدراما تكون قد حققت معناها الأعمق: أن تكون مرآة، لا مجرد واجهة.

والسؤال الذي يبقى مفتوحاً أمام صانعي الدراما المغربية، والناقدين، والمشاهدين على حدٍّ سواء: ما الدراما التي نريد أن يتذكرها أبناؤنا عن هذه المرحلة؟

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*