صدور ديوان زجلي جديد للكاتبة والشاعرة والزجالة آمال بن الطاهر، تحت عنوان “غيْمة بْلا سْما”

صدور ديوان زجلي جديد للكاتبة والشاعرة والزجالة المبدعة آمال بن الطاهر، تحت عنوان “غيْمة بْلا سْما” عن مطبعة ووراقة بلال، الناشر: دار بصمة للنشر والتوزيع، فاس، المغرب، في طبعته الأولى بداية سنة 2026. من الحجم المتوسط يضم 15 قصيدة ، وقد جاء في120 صفحة.

تقديم الديوان: بقلم الشاعرة آمال بن الطاهر

هادْ الديوانْ:

 ماشي غِيرْ قْصايدْ منْظومَة

وقْوافي مْزمّْمَة مَختُومَة

واوْزانْ منْ شَوْقْ

 وحُبّْ مرْسُومَة.

هادْ الدِّيوانْ…

منْسوجْ …

مْسَدِّي

منْ خِيْطْ الرُّوحْ

 اللِّي تفتّْشْ عْلى صُوتْهَا

وَسْطْ الزّْحامْ

بِينْ كلّْ حْكايَة،

 ورْوايَة.

بِينْ كلّْ غَيْمَة

 وهْلالْ…

 وْنجْمَة،

سْطورُو

 بحالْ دُخَّانْ لْعافْيَة

مَرَّة يْدفِّي،

 وْمرَّة يلْسَعْ،

 وْمرَّة يحْرَقْ.

وفْكُلّْ مرَّة…

 يخلِّي فِينَا 

أثرْ ينطقْ.

هادْ الدِّيوانْ:

ماشي زينَة فْلَكْلامْ

 وْتَنْظيمَة،

ولاَّ غِيرْ سْطورْ 

مْدوْزَة بْنَغْمَة

 قْديمَة،

هادْ الدِّيوانْ:

حْروفْ عَطْشانَة

 لْدفَّة حْنِينَة

وْتحْضينَـة سْليمَة،

دَّاوي لَجْراحْ لمْخَبّْيـَة…

 لْعْمِـــيقـَة.

فِيهْ ضحْكَة

 خارْجَة منْ قلبْ الاَحْزانْ،

وفِيهْ دمْعَة،

 كَتْجاوبْها كَلْمَة…

 عامْرة أمَانْ.

وفِيهْ خُطْواتْ

 كَتْسافرْ 

بْلا عُنْوانْ.

وتَرجَعْ دِيمَا لَلْقلْبْ…

 تبْني فِيهْ بْيُوتْ

 منْ رْجَا وحْنانْ.

هادْ الدِّيوانْ:

رِيحْ كَتْعدِّي

 وتْخَلِّي ريحَتْها،

وصَوْتْ كَيْطلّْ

 وكَيحْكي سِيرَتـْها،

واحْلامْ كتّْهَدّْ…

 وتوْقَفْ منْ جْدِيدْ

 فُوقْ سكَّتْهَا،

حِيتْ لْكلْمَة هْنَا…

متْخافْ لا منْ ظلامْ اللِّيلْ…

 وَلا منْ وحْدَتْها.

سْطورْ كَدُّقّْ

 عْلى بابْ الرُّوحْ

 دقّة دقّة،

مرّة… 

تْرَبِّي فِينا الصّْبَرْ،

 ومرّة…

تحكّْ

 عْلَى الجّْرحْ والدّْبرْ،

ومرَّة… 

تْورِّينا الطّْريقْ،

فْوَسْطْ غيْمَة مَشْقِيَّة

 وغبْشَة مْعَلّْقَة…

هادْ الدِّيوانْ:

عَهـْدْ مْعَ النَّفْسْ،

ومِيعادْ 

مْعَ لَكْلامْ والْهَمْسْ،

واللِّي يِقْرا 

هادْ لَحْرُوفْ

غادي يلْقَـى

 فيهَا نَفْسُو

كِيفْ لمْرايَة 

الصَّافْيَة…

تبانْ صادْقَة 

نْقِيَّة

وتْخَلِّي فَلْقَلْبْ

 بَصْمَتْهَا 

الدَّايْمة

تَطْلَعْ منْ الرُّوحْ

 كِيفْ لَغْيُومْ 

فالسّْمَا

 هَايْمَة،

 بْلا خْدِيعَة

 ولاَ نِيَّة

وتْخلِّي 

فالذاكرة خَطّْها…

 باقي حيّْ 

مَا فِيهْ 

لاَ كِيَّة 

وَلاّ شِيَّة.

غيمةٌ تُبصِر بلا سماء:

قراءة نقدية في ديوان “غيْمة بْلا سْما” لآمال بن الطاهر

بقلم الزجالة الناقدة

على سبيل البدء…في الزجل عمومًا، بوصفه لغة الروح الشعبية:

الزجل ليس شعرًا “أقل” من الفصيح كما يتوهم البعض، بل هو مسار موازٍ نشأ من رحم الأندلس مع ابن قزمان، وتوهّج لاحقًا في المشرق والمغرب بوصفه صوتًا يقترب من نبض الناس من دون وسائط.

إنه شعرٌ يكتب بلغة القلب قبل أن تصقلها المعاجم، فيه من العفوية ما يمنحه صدقًا، ومن الإيقاع الداخلي ما يجعله أقرب إلى الغناء منه إلى الإلقاء. وحين يلتقي الزجل بالتصوف، كما في هذا الديوان، فإنه يستعيد وظيفته الأصلية: أن يكون وسيلة تعبّد وتجلٍّ، لا مجرد أداة تسلية.

1. الزجل المغربي: خصوصية اللهجة وعمق الرمز

يتميز الزجل المغربي بلهجته الدارجة الغنية بالصور الحسية والمجاز الشعبي، وبقربه الشديد من الحكاية والمَثَل والذاكرة الجماعية.

إنه زجلٌ يستمد مفرداته من المطبخ والبيت والسوق والزاوية والساحة والموسم، فيحوّل “البراد” و”الصينية” و”اللمّة العائلية” إلى رموز مكثفة تختزل تاريخًا اجتماعيًا كاملاً.

وهذا بالضبط ما يجعل هذا الديوان امتدادًا أصيلًا لهذا التقليد: فهو لا يستعير الرمز المغربي زخرفةً، بل يجعله بنية دلالية تحمل المعنى الصوفي والعاطفي معًا، حتى يغدو النص الزجلي أرشيفًا حيًّا للذاكرة الجماعية المغربية.

2. التجربة الزجلية الأنثوية: صوتٌ يعيد كتابة الذاكرة:

حين تكتب المرأة الزجل، فإنها لا تكتب فقط لتعبّر، بل لتستعيد فضاءً كان الرجل يحتكر الكلام فيه غالبًا: فضاء الزاوية، فضاء الحكمة، فضاء العشق الإلهي.

تجربة آمال بن الطاهر في “غيمة بلا سما” تنتمي إلى هذا الخط النسائي المتجدد الذي يمزج بين رقة الأنثى وجرأة المتصوف، بين حنين البنت لأمها ولمة العائلة، وبين توق الروح إلى الفناء في المحبوب الأزلي. إنها كتابة تُؤَنِّث الزجل من دون أن تُفرغه من عمقه الفلسفي، بل تضيف إليه مستوى حسيا جديدا: صوت المرأة وهي تُعِدّ الشاي، وهي تغزل الصوف، وهي تُمسك الإبرة والخيط لترمّم ما تمزّق، وهي تُشعل الشمعة في عتمة الانتظار.

3. غلاف الديوان: عتبة بصرية موحية

يفتح الغلاف تأويلًا مبكرًا للنص: سماء زرقاء تلتحم فيها الغيوم بطيور مهاجرة، في تدرّج لوني هادئ بين الأزرق والأبيض، وكأن الغلاف لوحة تشكيلية أكثر منه غلاف كتاب. هذا الاختيار البصري ليس اعتباطيًا؛ فالطيور المحلّقة في الأفق تحاكي فكرة السفر الروحي، بينما الغيوم المتناثرة تُبقي السؤال معلقًا: أين السماء التي تحتضن هذه الغيمة؟ الأبيض الطاغي على الحواف يوحي بالصفاء الصوفي، بينما الخط الفني للعنوان — بأسلوبه المتماوج المنساب — يعكس حالة البوح والانسياب التي تسِم النصوص في الداخل.

4. عنوان الديوان: مفارقة الغياب والحضور

“غيْمة بْلا سْما” عنوان يقوم على مفارقة بلاغية عميقة: الغيمة كائنٌ لا معنى لوجوده إلا في السماء، فهي تحتاج إلى الأفق لتكتمل. حين تُنزع منها سماؤها، تصبح كيانًا معلّقًا، حائرًا، باحثًا عن انتمائه. هذه الصورة تختزل جوهر التجربة الصوفية بأكملها: الروح غيمة تحنّ إلى سمائها الأصلية، وهي في الأرض غريبة، معلّقة بين الشوق والحرمان. كما أن العنوان يحمل بعدًا نسويًا خفيًا: المرأة التي تحمل في داخلها مطرًا من المشاعر لكنها تظل أحيانًا بلا سماء تحتويها أو تفهمها. والسماء في هذا الديوان، كما سنرى، ليست خلفية جمالية فحسب، بل شخصية شعرية حاضرة، تتقاطع مع الشمس بوصفها رمزًا للحضور الإلهي الدافئ الذي تحنّ إليه الغيمة المعلّقة.

5. قصائد الديوان: نسيج متعدد “الأقانيم” من الروح والذاكرة والفولكلور

في خمس عشرة قصيدة موزعة على مائة وعشرين صفحة، تنسج الشاعرة نسيجًا شعريًا كثيف الدلالة، يمكن قراءته عبر عدة مستويات متداخلة:

‌أ- البُعد الصوفي: من الفناء إلى السماء

يتجلى هذا البُعد في لغة الشوق والحنين إلى الحضرة، حيث يتحول العشق الإنساني إلى مطية للعشق الإلهي. “السماء” هنا ليست مجرد فضاء طبيعي بل رمز المطلق الغائب الحاضر، و”الشمس” استعارة للتجلي الذي تنشده الروح المعتمة، تمامًا كما ينشد المتصوف نورًا يبدد عتمة الحجاب. وحتى “الشمعة” — بضوئها الهش المتراقص في العتمة — تتحول إلى رمز مزدوج: صورة الروح المتوقدة بالحب، وصورة الفناء التدريجي الذي يحرق الذات ليضيء الآخرين، على طريقة المتصوفة الذين رأوا في احتراق الشمعة مجازًا كاملاً للعشق الإلهي.

‌ب- الأم، الجد والجدة: سلالة الحنان والحكمة

تحضر “الأم” بوصفها الملاذ الأول والسماء الأرضية، مصدر الدفء الذي تقيس عليه الذات كل حنان لاحق. وتحضر “الجدة” و”الجد” بوصفهما خزّان الحكمة الشفهية، الجيل الذي يحمل الحكايات والأمثال والدعوات، وتستحضرهما الشاعرة كأنها تستعيد صوتًا يتهدد بالانطفاء أمام تسارع الحياة الحديثة. هذا الحضور الأسري الممتد عبر الأجيال يمنح الديوان بعدًا سرديًا-وجدانيًا، إذ يتحول البيت المغربي إلى مسرح شعري كامل تتقاطع فيه الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية.

‌ج- الأطفال وضحكهم: البراءة كمرآة للفقد

يرد صوت “الأطفال وضحكهم” بوصفه استراحة من كثافة الشجن الصوفي والعاطفي، لكنه في العمق مرآة مقلوبة: ضحك الطفولة البريء يذكّر الذات الشاعرة بما فقدته من عفوية، فيتحول الفرح الطفولي إلى نوع من النقيض الحزين الذي يبرز فداحة الشوق لدى الكبار. إنها تقنية زجلية أصيلة: استخدام الفرح لتعميق الإحساس بالفقد لا لتخفيفه.

‌د- التبوريدة: إيقاع البارود وصهيل الجماعة

يشكل استحضار “التبوريدة” كفن فولكلوري مغربي عريق نقلة نوعية في الديوان، إذ يدخل بالنص إلى فضاء جماعي احتفالي صاخب يقوم على التزامن والانضباط الجماعي: صفوف الفرسان، دوي البارود، صهيل الخيل. هذا الفن الذي يرمز إلى الفروسية والهيبة والانتماء القَبَلي يصبح في السياق الشعري استعارة لحالة الحب أو الشوق حين يبلغ ذروته المدوّية بعد صمت طويل، أو لحظة “الطلقة” الجماعية التي تشبه لحظة البوح الشعري نفسها بعد كتمان.

‌ه- عاشوراء: الطقس بين الفرح والحزن المزدوج

استحضار “عاشوراء” يضيف بُعدًا طقوسيًا مزدوجًا، لأن هذه المناسبة في الذاكرة المغربية تجمع بين مسحة من الحزن الديني وبين احتفالية شعبية بالماء والنار والحلويات والألعاب. هذا التناقض الجميل – حزن كامن تحت قشرة الفرح – يعكس بنية الديوان بأكملها: الشوق الصوفي المستتر خلف الصورة الاجتماعية المشرقة.

‌و- أهازيج الزفاف، لباس العروس، وجه العروس: طقوس التحول

تحتل “العروس” في تجلياتها المتعددة – الأهازيج، واللباس، والوجه – مساحة رمزية غنية. أهازيج الزفاف تمثّل صوت الجماعة النسائية وهي تودّع بنتًا وتستقبل امرأة جديدة، بكل ما في اللحظة من فرح مشوب بألم الفراق. لباس العروس بتطريزه وثقله رمز للهوية الثقافية المتوارثة، بينما “وجه العروس” الخجولُ المُزيّن يغدو استعارة لحظة الكشف والتجلي، حين تنكشف الذات الحقيقية بعد طول حجاب – وهي صورة تتقاطع مع لغة التصوف حيث الكشف والحجاب مفهومان مركزيان.

‌ز- الوشم والإبرة والخيط: كتابة الجسد وترميم الروح

“الوشم” هو الأكثر عمقًا رمزيًا بين كل هذه العناصر: كتابة أبدية على الجسد، لا تُمحى، كما لا تُمحى بصمة العشق أو الأثر الروحي في الروح. أما “الإبرة والخيط” فيشكلان استعارة أنثوية دقيقة لفعل الترميم: كل غرزة هي محاولة لإصلاح ما تمزق، تمامًا كما تحاول الذات الشاعرة أن ترمّم شوقها بالكلمة. وحين تلتقي هاتان الصورتان بـ”غزل الصوف”، يكتمل حقل دلالي متكامل حول اليد الأنثوية الصانعة، الصابرة، القادرة على تحويل الخيط المتناثر والجرح المفتوح إلى نسيج ومعنى.

 

‌ح- البرّاد، الصّينيّة، اللمة، الفقيه، “الحمَّام”: فضاءات الألفة الجماعية

“البراد” رمز الكرم والانتظار والحكايات التي تُروى حول الأكواب. “الصينية” فضاء اجتماعي يجمع الأسرة والضيوف. “اللمة المغربية” تختزل دفء الأسرة الممتد عبر الأجيال. “الفقيه” يستحضر سلطة المعرفة الدينية التقليدية وصوت القرية الأخلاقي.

أما “الحمام” فهو فضاء أنثوي بامتياز، طقس التطهر الجسدي الذي يتحول شعريًا إلى تطهر رمزي للروح، مكان تتعرى فيه الذات من أقنعتها الاجتماعية لتصل إلى صفائها الأول.

خلاصة نقدية

“غيْمة بْلا سْما” تجربة زجلية أنثوية مغربية أصيلة، تنجح في تحويل التفاصيل اليومية والطقوس الجماعية – من البراد إلى التبوريدة، ومن عاشوراء إلى أهازيج الزفاف – إلى رموز كونية كبرى تلامس التصوف والعشق والهوية.

إنها كتابة تستحق أن توصف بـ”القراءة الحداثية” لأنها لا تكتفي بترديد التراث الزجلي والفولكلوري، بل تعيد تشكيله من زاوية نسائية معاصرة، تجعل من “الوشم” و”الإبرة” و”الشمعة” مفردات فلسفية لا مجرد أدوات أو طقوس منزلية.

ديوانٌ يستحق أن يُقرأ لا بوصفه مجموعة قصائد فحسب، بل بوصفه سيرة روحية وجماعية مكثّفة لامرأة – ولمغربٍ بأكمله – يبحث عن سمائه.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*