عندما تتحول المبادئ إلى سلعة وصوت المواطن إلى جسر للعبور.

 

كتبها: جمال الدين ريان 

 

في المشهد السياسي المعاصر، لم يعد غريبًا أن يستيقظ المواطن على مشهد سريالي يرى فيه من منحه ثقته بالأمس وقد ارتدى قناعًا جديدًا، مغيرًا لونه الحزبي والسياسي كما تغير الحرباء جلدها لتتلاءم مع محيطها.

هذا التحول الفج ليس دليلًا على مرونة فكرية أو مراجعة نقدية للذات، بل هو تجسيد صارخ لانتهازية مقيتة تسعى وراء المصالح الخاصة والمكاسب الضيقة، ضاربة بعرض الحائط أدنى قيم الأخلاق والمسؤولية.

إن ما نشهده اليوم من ترحال سياسي غير منضبط لا يمكن وصفه بأقل من “العهر والدعارة السياسية”، حيث تُباع المبادئ في سوق النخاسة وتُشترى التزكيات والمناصب بدم بارد.

إن هذا السلوك الحربائي يمثل طعنة غادرة في ظهر العملية الديمقراطية وإهانة مباشرة لذكاء الناخبين الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع مؤمنين ببرامج وشعارات تبخرت في أول منعطف للمصالح الشخصية.

عندما يتخلى البرلماني عن لونه السياسي الذي على أساسه نال شرعيته، فهو لا يغير مجرد لافتة حزبية، بل يعلن بوضوح عدم احترامه لمن صوتوا عليه، محولًا أصواتهم إلى مجرد سلم للارتقاء الاجتماعي والمالي.

هذا التميع القيمي يفقد المؤسسة التشريعية هيبتها، ويحول العمل السياسي من رسالة نبيلة لخدمة الشأن العام والدفاع عن قضايا المجتمع إلى تجارة رخيصة يمارسها محترفو القفز من السفن المغرقة إلى السفن الأكثر ثراءً ونفوذًا.

إن استمرار هذه الممارسات الفاضحة دون حسيب أو رقيب يكرس حالة من النفور والعدمية السياسية لدى المواطن، الذي بات يرى في شعارات الإصلاح والتغيير مجرد أدوات تجميلية لتمرير صفقات مشبوهة.

إن مواجهة هذا الانحدار الأخلاقي تقتضي أكثر من مجرد التنديد؛ إنها تتطلب تفعيل آليات حازمة تعاقب على الخيانة السياسية وتمنع هؤلاء الانتهازيين من استغلال الإرادة الشعبية كرهينة لنزواتهم المصلحية.

فالديمقراطية التي لا تحميها الأخلاق والالتزام بالعهود تتحول إلى هيكل أجوف، والسياسيون الذين يبيعون مواقفهم من أجل منصب أو امتياز لا يستحقون سوى الازدراء والعزل من المشهد الذي لوثوه بنفعيتهم المطلقة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*