مساء يوم خميسنا
دفنا الماضي
سياسي : رشيد لمسلم
دفنا الماضي
لكننا لم ندفن الحلم.
في هذه الليلة التي انحنى فيها المنتخب المغربي أمام نظيره الفرنسي في كأس العالم بأمريكا، لم تكن صافرة النهاية مجرد إعلان لخسارة مباراة، بل كانت لحظة فاصلة بين زمنين؛ زمن يطوي صفحة المجد الذي كُتب بالأقدام والقلوب، وزمن جديد يفتح نافذة على مستقبل ما زال يتنفس أملا.
خرج “أسود الأطلس” مرفوعي الرؤوس، لأن الهزيمة لم تستطع أن تنتزع منهم احترام العالم، ولا أن تمحو الصورة التي رسموها لكرة قدم مغربية أصبحت تتحدث بلغات القارات.
دفنا الماضي…
وتركنا في الملعب كل ما يمكن أن يُدفن من حسرة.
أما الحب، فقد عاد معنا إلى البيوت، وإلى المقاهي، وإلى الأحياء الشعبية والراقية على حد سواء.
كان المغاربة يدركون أن منتخبهم لم يخسر كرامته، بل خسر مباراة أمام منافس عرف كيف يستثمر تفاصيلها.
وبين الخسارة والانتصار، ظل اسم المغرب مكتوبا بحروف كبيرة في ذاكرة البطولة، لأنه لعب كرة قدم تشبه شخصيته؛ عنيدة، جريئة، ومؤمنة بأن المستحيل مجرد محطة عابرة.
دفنا الماضي…
وفي شوارع العاصمة، بدا المشهد وكأنه تشييع رمزي لجنازة الهزيمة، لا لجنازة الأحلام.
انطفأت الأبواق التي ملأت السماء في ليال سابقة، وخفتت الأهازيج التي وحدت القلوب، لكن العيون لم تكن تنظر إلى الأرض.
في الأزقة الضيقة للأحياء الهامشية، كما في الشوارع الواسعة للأحياء الحضرية، كان الصمت أكثر بلاغة من الكلمات.
صمت يقول إن الشعب الذي عرف طعم المجد لن يكتفي بتذكره، بل سيعود للمطالبة به من جديد.
دفنا الماضي…
ولم ندفن الامتنان.
امتنان لجيل من اللاعبين جعل ملايين الأطفال يحلمون بقميص المنتخب، وآلاف الأسر تلتف حول شاشة واحدة، ومغاربة العالم يشعرون بأن الوطن كان أكبر من الجغرافيا. لقد منح هذا المنتخب لكرة القدم معنى يتجاوز النتائج؛ معنى الانتماء، والإيمان، والعمل الجماعي، والقدرة على الوقوف في وجه كبار اللعبة دون خوف أو تردد.
دفنا الماضي…
لأن البقاء أسرى للهزيمة خيانة للحلم الذي صنعه هؤلاء اللاعبون.
بأطقمه الإدارية والطبية واللوجستية والجامعة الملكية، وجماهير غفيرة تحملت تكاليف السفر والإقامة، وكانوا وكن، رمزا للمرأية المغربية الوطنية، خير سفيرات وسفراء لنا .
كرة القدم لا تمنح الكؤوس لمن يبكي على ما ضاع، بل لمن يحسن البناء فوق التجارب، ويحول الخسارة إلى درس، والخيبة إلى وقود.
وما قدمه المنتخب المغربي في هذه البطولة يؤكد أن المشروع لم ينته، بل ما زال في بدايته، وأن المستقبل قد يحمل ما هو أجمل إذا استمرت الروح نفسها، والإصرار نفسه، والإيمان نفسه.
دفنا الماضي… ورفعنا رؤوسنا نحو الغد.
فالأمم الكروية العظيمة لم تُولد من الانتصارات وحدها، بل من قدرتها على النهوض بعد كل سقوط.
والمغرب، الذي جعل العالم يصفق له في أكثر من مناسبة، لا يبحث اليوم عن عزاء، بل عن موعد جديد مع التاريخ. فالهزيمة، مهما كانت قاسية، ليست سوى جسر يعبر عليه أصحاب الأحلام الكبيرة.
دفنا الماضي…
لأن المستقبل لا يُبنى بالدموع، بل بالإرادة.
واليوم، بينما تطوى صفحة هذه المشاركة، يبقى الأمل معلقاً في قلوب المغاربة بأن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تشييع للهزيمة، بل موكباً وطنياً يحتفل بكأس طال انتظارها. وعندها فقط، سندرك أن كل لحظة حزن عشناها كانت حجرا في الطريق نحو الانتصار الكبير، وأن الماضي ماضي مساء يوم خميس العودة، لم يكن قبرا للأحلام، بل البذرة الأولى لمجد قادم.
