بين أخطاء التحكيم وتردد التكتيك… لماذا خسر المغرب المباراة ولم يخسر الحلم؟
الجزء الثاني
كتب: عبد المجيد الفرجي
هل أخطأ محمد وهبي في اختياراته منذ البداية؟
إذا كانت بعض التفاصيل التحكيمية قد أثارت النقاش، فإن القراءة التكتيكية تفرض بدورها أكثر من علامة استفهام. فقد اختار محمد وهبي الدخول إلى المباراة من دون مهاجم صريح، رغم أن مواجهة منتخب بحجم فرنسا كانت تحتاج إلى لاعب يشغل قلبي الدفاع ويفرض عليهما الانشغال المستمر، بما يفتح المساحات أمام لاعبي الوسط والأجنحة.
كما فضل الاعتماد على مزراوي في قلب الدفاع بعد غياب شادي رياض، بدل الدفع بمدافع في مركزه الطبيعي، مع إعادة مزراوي إلى الرواق الذي اعتاد التألق فيه.
وقد انعكس هذا الاختيار على التوازن الدفاعي والهجومي معا، وجعل المنتخب المغربي يبدو أقل انسجاما مما ظهر عليه في المباريات السابقة. ولعل الحكمة الفرنسية الشهيرة (Ne changez pas l’équipe qui gagne) كانت تصلح هنا للتأمل، لأن الفريق الذي نجح في الأدوار السابقة بدا مختلفا في واحدة من أهم مباريات البطولة.
لماذا تأخر التغيير إلى ما بعد استقبال الهدف؟
كان كثير من المتابعين ينتظرون أن يبدأ الشوط الثاني بقراءة مختلفة للمباراة، خاصة وأن المغرب أنهى الشوط الأول متعادلا ونجح في الحد من خطورة المنتخب الفرنسي. لذلك كان من الطبيعي انتظار تغيير هجومي مباشر مع بداية النصف الثاني، بإشراك مهاجم صريح يمنح الفريق حضورا أكبر داخل منطقة الجزاء ويجبر الدفاع الفرنسي على التراجع.
غير أن ذلك لم يحدث. فقد جاءت التغييرات بعد استقبال الهدف الأول، عندما دفع المدرب بسفيان رحيمي، كما أشرك سفيان المرابط مكان أيوب بوعدي. وبدا الأمر أقرب إلى ردة فعل فرضتها النتيجة، أكثر من كونه جزءا من خطة استباقية كانت تهدف إلى تغيير ميزان المباراة قبل أن تتعقد.
هل كان بونو وحده في مستوى الحدث؟
إذا كان للمغرب بطل في هذه المباراة، فهو دون شك ياسين بونو. فقد تصدى لركلة الجزاء، وأبعد أكثر من كرة خطيرة، وحافظ على بقاء المنتخب في أجواء اللقاء طوال الشوط الأول.
ولم يكن مشهد تأثره الكبير بعد صافرة النهاية إلا انعكاسا لحجم المسؤولية التي تحملها طوال المباراة.
لقد بدا وكأنه يقاتل وحده لإبقاء الأمل قائما، حتى شعر كثير من المتابعين أن المنتخب كان يحتاج إلى أحد عشر لاعبا يحملون عزيمة بونو، لا إلى بونو وحده.
لماذا لم يظهر الوجه الهجومي للمغرب إلا في الدقائق الأخيرة؟
اللافت أن المنتخب المغربي لم يبدأ في تهديد المرمى الفرنسي إلا خلال الدقائق الأخيرة، عبر محاولات عز الدين أوناحي وبعض التسديدات من العيناوي، إضافة إلى كرات ثابتة أعادت شيئا من الضغط على الدفاع الفرنسي.
وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا لم تظهر هذه الجرأة منذ بداية الشوط الثاني؟ فلو ضغط المغرب مبكرا، وأجبر فرنسا على الدفاع، لربما زرع الشك في صفوف منافسه، وفتح المباراة على احتمالات مختلفة. أما الانتفاضة المتأخرة، ورغم أهميتها، فقد جاءت في وقت كانت فيه فرنسا أكثر قدرة على إدارة النتيجة.
هل كانت فرنسا أقوى… أم أن المغرب منحها أفضلية نفسية؟
يصعب إنكار أن المنتخب الفرنسي قدم مباراة كبيرة، وأظهر شخصية منتخب اعتاد إدارة المباريات الكبرى. لكنه، في المقابل، دخل اللقاء وهو يدرك قيمة المنتخب المغربي وما حققه خلال السنوات الأخيرة، لذلك لعب باحترام كبير لمنافسه، وضغط منذ البداية، بحثا عن هدف يريحه.
أما المنتخب المغربي، فقد احترم فرنسا هو الآخر، لكن هذا الاحترام بدا في كثير من الفترات مبالغا فيه، حتى تحول إلى نوع من التردد، وكأن الفريق لم يؤمن منذ البداية بقدرته على الذهاب بعيدا داخل منطقة العمليات الفرنسية. وفي مباريات بهذا الحجم، لا يكفي أن تدافع جيدا، بل يجب أيضا أن تهاجم بثقة، لأن الخصوم الكبار يحترمون من يفرض شخصيته، لا من يكتفي باحترامهم.
وهل انتهى الحلم عند صافرة النهاية؟
رغم مرارة الإقصاء، فإن الصورة التي بقيت عالقة في الذاكرة لم تكن هدفا أو قرارا تحكيميا، بل ذلك البالون الأحمر الذي استقر على عشب ملعب جيليت ستاديوم بعد نهاية المباراة.
بدا وكأنه حلم امتلأ بالهواء ثم فقد بعضا من ارتفاعه، لكنه لم ينفجر، ولم يختف، بل بقي قريبا من أرض الملعب، وكأنه يرفض مغادرة المكان الذي ولد فيه الحلم.
وفي صورة أخرى، وقف طفل مغربي أمام كيليان مبابي، وبينهما بالون يحمل قلبا مرسوما عليه.
لم يعد ذلك البالون مجرد لعبة، بل تحول إلى رمز لجيل جديد سيواصل الحلم، وسيكبر وهو يؤمن بأن بلوغ القمة ليس مستحيلا.
لقد خاض المنتخب المغربي ست مباريات كاملة في هذا المونديال، كما فعل في مونديال قطر، وهو ما يؤكد أن حضوره بين كبار العالم لم يعد مفاجأة عابرة، بل أصبح استمرارية تستند إلى مشروع كروي حقيقي.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من هذه الهزيمة هو أن كأس العالم لا تربحه الموهبة وحدها، ولا تضيعه لقطة تحكيمية واحدة، بل تحسمه التفاصيل الصغيرة، وسرعة قراءة المدربين، وشجاعة القرارات، والإيمان بأن احترام المنافس يجب ألا يتحول أبدا إلى خوف منه.
فالطريق إلى مونديال 2030 لا يبدأ يوم الافتتاح، بل يبدأ من اليوم التالي للهزيمة.
والأمم التي تصنع التاريخ ليست تلك التي لا تتعثر، بل تلك التي تعرف كيف تحول التعثر إلى خطوة جديدة نحو القمة. لذلك، قد تكون فرنسا قد ربحت بطاقة العبور، لكن المغرب، إذا أحسن قراءة هذه التجربة، سيكون قد ربح درسا ثمينا في كيفية صناعة المستقبل.
