لعبة الظلال لمحاولة إستنساخ قضية صنصال

لعبة الظلال لمحاولة استنساخ قضية صنصال.

كتبها: سعيد الكحل.

في خضم التنافس الإقليمي المحتدم بين الجزائر والمغرب، برزت استراتيجية جزائرية تعتمد على توظيف الأفراد العملاء كورقة ضغط سياسي، في محاولة لتأزيم العلاقات الدبلوماسية للمملكة مع حلفائها الاستراتيجيين.

إذ لا يقتصر العداء الجزائري للمغرب على الخلاف حول قضية الصحراء، بل يمتد ليشمل مشروعاً استراتيجياً خبيثا يهدف إلى محاصرة المملكة وعزلها دولياً، وتقسيمها، وإضعاف نفوذها الإقليمي.

وتنظر الجزائر إلى صعود المغرب كقوة اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية في المنطقة بوصفه تهديداً وجودياً لمكانتها كقوة إقليمية، خاصة في ظل تحولات جيوسياسية تجعل من المغرب بوابة أوروبا إلى إفريقيا وشريكاً موثوقاً للقوى الكبرى. وتتجسد هذه الاستراتيجية في عدة مسارات: دعم الانفصال في الصحراء المغربية، تسليح جبهة البوليساريو، محاولات الضغط على القوى الكبرى لسحب اعترافاتها بمغربية الصحراء، تجنيد العملاء والخونة المغاربة في الداخل والخارج لإشعال احتجاجات داخلية تزعزع استقرار المملكة، واستخدام أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية كالغاز والهجرة والملفات الحقوقية لإحراج المغرب دولياً.

ورغم الدعم الجزائري المكثف لجبهة البوليساريو، سياسياً وعسكرياً ولوجستياً، وتزويدها بالأسلحة والعتاد، واستضافتها على أراضيها، فإن هذه الاستراتيجية لم تحقق أهدافها في عزل المغرب أو إضعافه، إذ تمكنت الدبلوماسية المغربية، عبر انفتاحها الاقتصادي والدبلوماسي، من إفشال مخططات الجزائر، محققة اعترافات دولية متتالية بمغربية الصحراء، كان آخرها وأهمها الموقف الأمريكي في 2020، والإسباني في 2022، والفرنسي في 2024، ثم بقية المجموعة الأوربية.

فعندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في يوليو 2024 ، دعم خطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأساس وحيد لحل نزاع الصحراء، أطلقت الجزائر حملة ضغوط واسعة على باريس شملت استدعاء سفيرها من باريس للتشاور وقطع قنوات الحوار السياسي والأمني، واستخدام سلاح الطاقة والغذاء حيث حوّلت مشترياتها من القمح الفرنسي إلى مصادر روسية وأوروبية شرقية، ورفض التعاون مع فرنسا في ملف الهجرة مما جعل الجزائر الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تملك اتفاقية تعاون مع الاتحاد الأوروبي في هذا المجال، وتوجيه اتهامات دبلوماسية لفرنسا بـ “العداء” و”الاستفزاز” و”التآمر” على وحدة الجزائر. ورغم هذه الضغوط، تمسكت باريس بموقفها الداعم لمغربية الصحراء، واستمرت في تعزيز علاقاتها مع الرباط على مستويات عدة؛ وجاءت زيارة الوزير الأول الفرنسي سيباستيان ليكورنو إلى المغرب في يوليو 2026 لتؤكد أن باريس لا تنوي التراجع عن موقفها، بل تسعى لتعميق الشراكة الاستراتيجية مع المملكة في مجالات الدفاع والأمن والطاقة والهجرة والاستثمار. وقد شكلت هذه الزيارة، التي مرت في أحسن الأجواء رغم محاولات التعطيل، ضربة قاسية للاستراتيجية الجزائرية، حيث أعاد المسؤول الفرنسي التأكيد على دعم بلاده الثابت لمغربية الصحراء، في رسالة واضحة للجزائر بأن أسلوب الضغط والابتزاز لن يغير مواقف فرنسا تجاه قضية تعتبرها باريس أساسية لاستقرار المنطقة ومصالحها الاستراتيجية.

الحنكة تفسد اللعبة.

 شكلت قضية الكاتب بوعلام صنصال علامة فارقة في العلاقات الفرنسية-الجزائرية، ففي نوفمبر 2024، أُلقي القبض على الكاتب بوعلام صنصال البالغ من العمر 81 عاماً والحامل للجنسيتين الجزائرية والفرنسية لدى وصوله إلى مطار الجزائر، وصدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات بتهم تتعلق بالمساس بالوحدة الوطنية.

وتطورت القضية إلى أزمة دبلوماسية حادة بين باريس والجزائر، حيث بذلت فرنسا جهوداً مكثفة للإفراج عنه، ووصل الأمر إلى استدعاء السفير الفرنسي من الجزائر، قبل أن يتم الإفراج عنه في نوفمبر 2025 بوساطة الرئيس الألماني.

وقد توهمت الجزائر من هذه التجربة أن اعتقال الصحفي علي لمرابط، مزدوج الجنسية، يمكن أن يكون ورقة ضغط فعالة تؤزم العلاقات بين باريس والرباط، وتضع فرنسا في موقف حرج بين الدفاع عن مواطنها ومراعاة علاقاتها الاستراتيجية.

وما يثير الريبة هو توقيت دخول لمرابط إلى المغرب بعد أحد عشر عاما من المنفى الاختياري رغم علمه بأنه مطلوب للعدالة بتهم التشهير والقذف في حق الأشخاص والمؤسسات وإهانة لهيئات منظمة بمقتضى القانون، أي قبل أيام قليلة من الزيارة الرسمية للوزير الأول الفرنسي إلى المغرب، مما يثير تساؤلات حول خلفيات القضية ودوافع الزيارة؛ الأمر الذي يقوي فرضية انخراط لمرابط في لعبة الظلال الخبيثة للنظام الجزائري باستنساخ تجربة بوعلام صنصال، بغرض إحراج باريس وإجبارها على الضغط على الرباط للإفراج عنه، مما قد يحدث شرخاً في العلاقات بين البلدين ويعطل الزيارة المرتقبة أو يفرض تعديل أجندتها؛ خصوصا وأن لمرابط لم يأت لغرض إداري أو عائلي أو إنساني.

بل حسب تصريحه للصحافة لم يحجز تذكرة العودة اعتقادا منه أن مدة اعتقاله قد تطول.

إلا أن السلطات المغربية أظهرت قدرة عالية من الحنكة والرزانة في التعاطي مع القضية وإفشال اللعبة الماكرة التي جيّش لها النظام الجزائري مرتزقته من الإعلاميين وسماسرة حقوق الإنسان، وذلك بالإفراج عن لمرابط بناءً على قرار من وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، مع استمرار التحقيق في القضية.

وقد مثلت هذه الزيارة، التي تمت في توقيت كانت الجزائر تراهن على تعطيلها، انتصاراً دبلوماسياً للمغرب، ورسالة واضحة بأن استراتيجية الضغط والابتزاز الجزائرية لم تعد تجدي في تغيير مواقف القوى الكبرى تجاه القضايا الجوهرية في المنطق، وأن خاتمة الانخراط في خدمة أجندات أعداء الوطن ستكون لعنة الشعب ومزبلة التاريخ.

العبرة بالخواتيم

لقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن استراتيجية المغرب أكثر نجاعة واستدامة، حيث تمكنت المملكة من تحويل التحديات إلى فرص، ومن إفشال محاولات العزل والحصار، ومن تعزيز مكانتها الدولية في وقت تتراجع فيه مكانة الجزائر إقليمياً ودولياً.

إن فشل استنساخ تجربة صنصال في قضية لمرابط ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو دليل على تحول في موازين القوى بالمنطقة، حيث لم تعد أدوات الضغط القديمة قادرة على منافسة النموذج المغربي القائم على الانفتاح والشراكة والتنمية. 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*