فنجان بدون سكر:
استئصال ورم “إعلام التفاهة”: حين تصبح “البطولة الافتراضية” خطراً استراتيجيا!
بقلم عبد الهادي بريويك
وأنا أتجول في العالم الافتراضي حبا وإلماما بالمعلومة، أصادف كل يوم عجائب وغرائب تجاوزت مرحلة “الظاهرة العابرة” أو مادة للسخرية ؛ فقد تفشت الجرثومة وعمّ الخطب.
إننا نعيش اليوم على وقع زحف مدمّر يقوده جيش جرار من “كائنات السوشيال ميديا”، ممن اتخذوا من التفاهة صنعة، ومن الابتزاز تجارة، ومن أعراض الناس مادة لدغدغة مشاعر المتابعين.
حين يتحول الهاتف المحمول إلى منصة إطلاق صواريخ موجهة ضد القيم، وحين يصبح “البازلي” معياراً للنجاح، فإننا لا نكون أمام مجرد حرية تعبير فائضة عن الحاجة، بل أمام “إرهاب رقمي” يستوجب إعلان حالة طوارئ مجتمعية وقانونية لإيقافه عند حده.
خريطة طريق: كيف نجهض إعلام التفاهة ونُعيد الاعتبار للكلمة الحرة؟
إن القضاء على هذه الفوضى العارمة لا يتطلب تذمراً واكتفاءً بالفرجة، بل يقتضي تفعيلاً صارماً وشجاعاً لعدة آليات متكاملة:
1. الضرب بيد من حديد.. وتفعيل الصرامة القانونية
المغرب ليس بحاجة إلى قوانين جديدة بقدر ما هو بحاجة إلى تسريع وتيرة التنفيذ الصارم للقوانين القائمة.
تفعيل المساطر الآنية: يجب ألا تبقى الشكايات المتعلقة بالتشهير، والسب، والقذف، والابتزاز الرقمي حبيسة رفوف الانتظار.
فالتأخير في الردع يمنح هؤلاء المرتزقة شعوراً مزيفاً بالحصانة والمطلقية.
إسقاط شماعة “حرية التعبير”في عير إطارها النافع: حان الوقت لتكريس فصل واضح ونهائي بين “حرية الرأي والنقد البناء” وبين “الإجرام الرقمي والابتزاز الممنهج”. فالحرية تنتهي حتما حين تبدأ حياة الآخرين وأرزاقهم كما تحترم فيها المؤسسات.
2. تجفيف منابع “الربح السريع” (الخوارزميات والشركات)
هؤلاء لا ينشطون حبا في الإشعاع، بل حبا في المال!
3 المساءلة الضريبية والمالية:
إخضاع الحسابات والصفحات التي تحقق مداخيل خيالية من المشاهدات والابتزاز للمراقبة الضريبية الدقيقة، وتتبع تبييض الأموال عبر المنصات الافتراضية.
4 مقاطعة المستشهرين:
توجيه وعي الشركات والمؤسسات التجارية لعدم تمويل أو احتضان هذه الصفحات الهدامة، التي لا تحمل مشروع الصحافة التي توجه الرأي العام، لأن الإعلان فيها هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة الرقمية.
5. سلاح المقاطعة والوعي المجتمعي
القرص الصلب لأي “مؤثر تافه” هو المشاهدات والتفاعل (اللايك، الشير، والتعليق).
6سياسة التجاهل: “البلوك والمقاطعة” هما أقوى سلاحين بيد المواطن العادي. حين يدرك صاحب الصفحة أن خفض سقف الابتذال يقابله صمت مطبق وصفر مشاهدات، سيبحث حتما عن عمل شريف.
7 التربية الإعلامية والرقمية: تحصين الناشئة والأجيال الصاعدة بتعليمهم كيفية غربلة المعلومات، وعدم الانسياق وراء “العناوين الصادمة” والفضائح المصطنعة.
نهاية
فالمعركة ليست رفاهية فكرية!
إن إيقاف زحف “إعلام التفاهة” ليس معركة نخبوية، بل هو معركة وطنية بامتياز لحماية الهوية، والأخلاق العامة، والنسيج الاجتماعي من التآكل.
وحين يعلم الجميع أن القانون صارم، والمجتمع واع، والمنصات مراقبة، سيعود كل إمعة إلى حجمه الطبيعي، وتستعيد الكلمة شرفها، والصحافة قدسيتها.
فإما أن ننتصر لذكائنا المشترك، وإما أن نستسلم لغابة رقمية يقودها المرتزقة والمدّاح!
