الموت السياسي… حين يقتل السياسي رصيده بيديه
د.جميلة مرابط
رئيسة مجلس الباحثات المتعدد التخصصات
لا يحدث الموت السياسي دائماً بسبب هزيمة انتخابية أو خسارة موقع أو خروج من دائرة القرار.
أحياناً يكون أكثر هدوءاً وأشد قسوة؛ يبدأ حين يفقد السياسي قدرته على التأثير، ثم تتراجع صورته لدى الناس، وتتآكل الثقة في خطابه، ويصبح حضوره في المشهد مجرد حضور شكلي لا ينتج أثراً. وفي كثير من الحالات، لا يحتاج هذا السياسي إلى خصم قوي لإسقاطه، لأنه يكون قد بدأ عملية السقوط بنفسه.
يمكن أن نسمي هذه الحالة «الموت السياسي»؛ وهي المرحلة التي يفقد فيها الفاعل السياسي رصيده المعنوي والشعبي والمؤسساتي، بعدما كان يمتلك القدرة على التأثير وصناعة المواقف واستقطاب الناس.
وتتعدد أسباب هذا الموت؛ فقد يكون نتيجة الفشل المتكرر، أو استنزاف الأدوات والاستراتيجيات نفسها دون القدرة على التجديد، أو ضعف الخبرة السياسية، أو سوء قراءة التحولات الاجتماعية والسياسية. لكن الأخطر من كل ذلك هو أن يصل السياسي إلى مرحلة يصبح فيها هو المسؤول الأول عن استنزاف رصيده.
هناك من لا يخسر بسبب خصومه، وإنما بسبب سوء تدبيره لنجاحه. يصل إلى موقع سياسي، فيتعامل مع الموقع وكأنه ملكية خاصة، ومع الكرسي وكأنه حق دائم، ومع النفوذ وكأنه ضمانة أبدية.
يبدأ في احتكار القرار، ويحيط نفسه بالدائرة نفسها، ويكرر الخطاب نفسه، ويقصي كل صوت مختلف، ثم يكتشف بعد سنوات أن المساحة التي كان يتحرك فيها قد ضاقت إلى درجة لم يعد فيها قادراً على رؤية حقيقة موقعه.
السياسي الذي يحتكر الكرسي طويلاً قد يكتشف متأخراً أن الكرسي نفسه أصبح سبباً في سقوطه.
فالمشكلة ليست دائماً في طول البقاء، وإنما في غياب الأثر أثناء البقاء.
فحين يتكرر الحضور في المواقع والمسؤوليات دون أن يقابله إنجاز حقيقي، يتحول الموقع من مصدر للقوة إلى مصدر للاستنزاف.
وكل ظهور جديد يصبح مناسبة لتذكير الناس بما لم يتحقق، وكل خطاب جديد يعيد إنتاج الوعود نفسها، وكل منصب جديد يطرح السؤال ذاته: ماذا تغير؟ وهنا تبدأ المصداقية في التآكل.
المصداقية السياسية لا تُبنى بالظهور المستمر، ولا بكثرة الصور والاجتماعات، ولا بعدد المناصب التي يشغلها الشخص، وإنما بما يتركه من أثر.
فالناس قد تتسامح مع الخطأ، لكنها لا تتسامح طويلاً مع الخطأ المتكرر دون مراجعة، وقد تقبل الفشل مرة، لكنها تبدأ في فقدان الثقة عندما يتحول الفشل إلى أسلوب في التدبير.
والأخطر من الفشل هو سوء تسويق الذات السياسية.
فهناك من يعتقد أن كثرة الظهور تعني الشعبية، وأن كثرة التصريحات تعني الحضور، وأن القرب من أصحاب القرار يعني امتلاك رصيد لدى الناس.
غير أن السياسة ليست مجرد صورة تُلتقط، أو منصب يُعلن، أو مناسبة يُحضر فيها. السياسة في جوهرها قدرة على بناء الثقة، وإدارة الاختلاف، والاستماع إلى المجتمع، وتحويل الوعود إلى نتائج.
وحين يصبح السياسي منشغلاً بتسويق صورته أكثر من تسويق إنجازاته، فإنه يبدأ في صناعة فجوة بين الصورة والحقيقة. وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبح سقوط الصورة أكثر حدة.
ومن علامات الموت السياسي أيضاً الإفراط في الثقة بالنفس. بعض السياسيين لا يلاحظون أنهم تغيروا في نظر الآخرين، لأنهم محاطون دائماً بالأشخاص الذين يقولون لهم ما يحبون سماعه.
فيعيش السياسي داخل دائرة مغلقة، لا تصله الانتقادات الحقيقية، ولا يرى غضب الشارع، ولا يسمع أصوات من كانوا بالأمس من أقرب داعميه.
وهنا تحدث المفارقة: يعتقد أنه ما زال قوياً لأنه ما زال يجلس في الصفوف الأولى، بينما يكون رصيده الحقيقي قد تراجع إلى الصفوف الأخيرة.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب السياسي ليس أن يفقد منصبه، وإنما أن يفقد القدرة على التأثير حتى وهو يحتفظ بالمنصب.
فالمنصب يمكن أن يمنحه الحضور، لكنه لا يمنحه بالضرورة الاحترام. والسلطة يمكن أن تمنحه القدرة على اتخاذ القرار، لكنها لا تمنحه تلقائياً ثقة الناس. والظهور الإعلامي يمكن أن يجعله معروفاً، لكنه لا يجعله بالضرورة مقنعاً.
لهذا فإن بعض السياسيين يموتون سياسياً قبل أن يغادروا مواقعهم بسنوات.
يموتون عندما يصبح وجودهم غير منتج، وعندما تتوقف أفكارهم عن إقناع الآخرين، وعندما يتحول خطابهم إلى أسطوانة مكررة، وعندما يفقد الناس الاهتمام بما يقولون، وعندما يصبح حضورهم مرتبطاً بالماضي أكثر من ارتباطه بالمستقبل.
وفي المقابل، لا يعني التراجع السياسي نهاية حتمية. فالسياسي الذي يمتلك شجاعة المراجعة يستطيع أن يعيد بناء نفسه. الاعتراف بالأخطاء، وتجديد الخطاب، وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، والابتعاد عن عقلية الاحتكار، والاستماع الحقيقي للناس، كلها يمكن أن تمنح السياسي فرصة ثانية.
أما الإصرار على الأساليب نفسها، وعلى الأشخاص أنفسهم، وعلى الخطاب نفسه، وعلى عقلية «أنا وحدي أعرف»، فهو ليس ثباتاً على المبدأ، وإنما قد يكون إصراراً على طريق السقوط.
السياسة، في نهاية المطاف، ليست إقامة دائمة في الكراسي. إنها مسؤولية مرتبطة بالزمن، وبالقدرة على التجدد، وبما يتركه الإنسان وراءه من أثر.
ولهذا فإن بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى من يهزمهم سياسياً؛ فقد تكفّلوا بالمهمة بأنفسهم.
احتكروا، فأُغلقوا على أنفسهم.
بالغوا في الظهور، فانكشف ضعف الأثر.
كرروا الاستراتيجيات، فسبقهم الزمن.
سوءوا تدبير رصيدهم، فاستنزفوه.
وحين أدركوا أنهم فقدوا المصداقية، كان الوقت قد فات.
ذلك هو الموت السياسي في أكثر صوره وضوحاً: أن يبقى السياسي حاضراً في المشهد، بينما يكون تأثيره قد غادره منذ زمن.
