أريري: 165 مليارا تُدفن في الأزبال..كيف تحولت نظافة الدار البيضاء إلى فضيحة؟
كتبها: الصحفي عبد الرحيم أريري
لنتأمل الأرقام الفلكية التالية:
1.650.000.000 درهم، هو المبلغ الباهض الذي خصصته بلدية الدارالبيضاء لجمع النفايات لسنة 2026.
علما أن ميزانية التسيير لبلدية الدارالبيضاء تبلغ 5.255.000.000 درهم.
أي أن مرفق النظافة يلتهم لوحده ثلث ميزانية المدينة (تحديدا 31،3%)، وهي نسبة جد كبيرة مقارنة مع نوع الخدمة المقدمة من طرف بعض شركات النظافة لفائدة البيضاويين من جهة، بل هي نسبة مبالغ فيها مقارنة مع ما تخصصه ميزانيات مدن أوربية وأمريكية من نسبة في ميزانيتها لمرفق النظافة من جهة أخرى.
لا، ليس هذا وحسب، فتطور ميزانية النظافة بالدارالبيضاء في السنوات الأخيرة، يبرز مفارقة صادمة تتمثل في أنه بين سنتي 2023 و2026، قام مجلس بلدية الدارالبيضاء برفع الاعتماد المخصص للنفايات بنسبة فاقت 85%، (ارتفعت بنسبة 27% مقارنة مع سنة 2025)، علما أن الخدمة المقدمة للسكان لم تعرف ارتفاعا بنفس النسبة في جودة جمع الأزبال أو في تنظيف حاويات النفايات أو في نوعية الشاحنات المخصصة لهذا الغرض، هذا دون الحديث عن عصير الأزبال الذي أضحى وباء و”شوهة” تطارد كل شارع وكل ساحة في مختلف أحياء العاصمة الاقتصادية.
الجرح يزداد إيلاما، حين نستحضر كلفة جمع الطن الواحد من الأزبال بالدارالبيضاء.فوفق البيانات الرسمية، تنتج الدارالبيضاء 4000 طن من الأزبال يوميا، أي ما يعادل 1.460.000 طن سنويا.
معنى هذا أن الطن الواحد يكلف بيضاوة 1130 درهما. بينما في مدن الاتحاد الأوربي تتراوح كلفة التخلص من الأزبال بين 109 و150 أورو للطن الواحد.
أي تقريبا نفس مستوى كلفة الطن الواحد بالدارالبيضاء أو بزيادة طفيفة( في المدن السياحية الأوربية تصل الكلفة إلى 220 أورو)، لكن مع فارق فظيع بين الخدمة الجيدة المقدمة في مدن أوربا وبين الخدمة السيئة التي يستفيد منها سكان الدار البيضاء.
ويظهر ذلك جليا من خلال استحضار مؤشر الكلفة لكل مواطن، ففي الدارالبيضاء تصل كلفة جمع النفايات إلى 500 درهم لكل مواطن في السنة، في حين تتراوح هذه الخدمة بين 60 و90 أورو للمواطن بمدن أوربا ( أي بين 600 و900 درهم ).
وهنا يحق للمرء أن يتساءل بحرقة: لماذا المواطن البيضاوي يسدد تقريبا نفس المبلغ مقارنة مع المواطن الأوربي، لكن دون أن ينعم بخدمة جيدة تشبه ما يشهده مرفق النظافة بمدن أوربا؟!
لماذا شاحنات النظافة في الدار البيضاء متهالكة ومتسخة وتنشر عصير الأزبال بشوارعنا، بينما شاحنات الدول الأوربية أنظف من “لابيلانص ديالنا”؟! لماذا تتحول حاويات الأزبال بالبيضاء إلى بؤر مقززة، بينما الحاويات بمدن أوربا تغسل وتنظف وتغير بشكل دوري؟! لماذا عمال النظافة بالدار البيضاء يتم التعامل معهم بوصفهم “أحقر سلالة بشرية”، ولا يحظون بالاعتبار والكرامة والمراقبة الطبية المستمرة وبالأجر المحترم، بينما عمال النظافة في معظم مدن أوربا يعاملون بكرامة وبأجر مناسب، بل ويطلق عليهم اسم “الفاعلون البيئيون”(acteur environnemental).
فمن قبل كانت بلدية الدارالبيضاء تدبر بشكل مباشر مرفق النظافة مع الشركات الفائزة بصفقة جمع النفايات، وبدعوى أن المدينة عاجزة عن مسايرة القطاع وتجويده، تم خلق شركة للتنمية المحلية تحت اسم “كازا بيئة”، وعهد إليها بتدبير القطاع على أساس أن بيضاوة يستحقون الأحسن، لكن رغم رفع الميزانية المرصودة للنظافة بشكل كبير، وتجريد المجلس الجماعي من التدبير المباشر للمرفق ومنحه لشركة “كازا بيئة”، لم تحظ الدارالبيضاء بنظافة جيدة تليق بمكانتها الاقتصادية والديمغرافية، وتليق بها كمدينة “نموذج” يفترض أن تحذو حذوه باقي مدن المملكة.
من العار أن يلتهم قطاع النظافة 165 مليار سنتيم في السنة، دون أن ينعكس ذلك على جودة العيش بالدارالبيضاء، وعلى محارية القوارض والجردان.
أين مؤسسة رئاسة البلدية؟ أين لجن المراقبة والتتبع؟ أين المؤسسة الوصية على “كازا بيئة”؟!
هناك خلل ما، ومن واجب الدولة التدخل لوضع حد لهذا العبث !


