USFP bann

الذات بين غواية الاعتراف واستبداد الصورة: في المعنى الخفي لحياةٍ لم تُعش

الذات بين غواية الاعتراف واستبداد الصورة: في المعنى الخفي لحياةٍ لم تُعش

كتبتها: نادية واكرار

ثمة شكل من أشكال الخسارة لا يُعلن عن نفسه حين يحدث، ولا يملك الإنسان غالبًا القدرة على اكتشافه في لحظته، لأنه يأتي متخفيًا في هيئة حياة تبدو مكتملة، ومنظمة، ومقبولة، بل وربما مثيرة للإعجاب.

إنها تلك الحياة التي يُتقن صاحبها أداءها أكثر مما يعيشها، فيتزوج لأن الزواج هو ما ينبغي أن يحدث في توقيت معين، وينجب لأن الإنجاب جزء من الصورة التي اكتملت في مخيلة المجتمع، ويدرس لا لأن المعرفة تستفزه أو توسع أفقه، وإنما لأن الشهادة ستضيف حرفًا إلى اسمه، ويتخرج من أجل ورقة ستستقر بعد سنوات بين أوراق أخرى في ملف لن يفتح إلا نادرًا.

يفعل الخير أحيانًا لأن الخير يمنحه صورة جميلة أمام الآخرين، ويبالغ في الإطراء لمن لا يستحق، لا لأن قلبه ممتلئ بالتقدير، وإنما لأن القرب من أصحاب المكانة يضيف إلى صورته شيئًا.

يرتدي ما لا يشبهه، ويهذب مظهره وفق ذوق لم يختره، ويقلد ما يفعله الآخرون حتى حين لا يجد في ذلك أي امتداد حقيقي لذاته، ثم يراكم حول نفسه كل تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو للوهلة الأولى عابرة، لكنها مع الوقت تتحول إلى هندسة كاملة للذات وفق ما ينبغي أن تكون عليه في عين الآخر. وهنا يبدأ التحول الصامت: لا يعود الإنسان يعيش لكي يكون، وإنما لكي يبدو؛ لا يعود السؤال ماذا أريد، بل ماذا سيقال عني؛ ولا يعود الآخر مجرد جزء من العالم الذي ينتمي إليه، بل يتحول تدريجيًا إلى مرآة دائمة يراقب نفسه من خلالها، حتى تصبح صورته في أعين الناس أكثر حضورًا من وجوده الفعلي في حياته.

وليس في الأمر ما يدعو إلى التبسيط أو إصدار الأحكام السريعة؛ فالإنسان لا يولد مكتمل الاستقلال عن محيطه، ولا يستطيع أن يصنع ذاته في فراغ.

إنه يأتي إلى العالم محمولًا على ذاكرة عائلية وثقافية ولغوية ومجالية، وتتشكل داخله منذ الطفولة طبقات من التوقعات والأدوار والتعريفات لما ينبغي أن يكونه.

بعض هذه الأشياء يتحول إلى جزء أصيل من تكوينه، وبعضها يتسلل إليه بالتكرار حتى ينسى مصدره، فيعتقد أن ما ورثه اختيار، وأن ما اعتاده قناعة، وأن ما فُرض عليه ذاتًا.

ولذلك فإن المسألة ليست في تأثر الإنسان بالآخرين، فذلك جزء من طبيعة الوجود الاجتماعي، وإنما في اللحظة الدقيقة التي يتوقف فيها الآخر عن أن يكون عنصرًا في تشكيل الذات ويصبح بديلًا عنها.

هناك، في تلك المنطقة غير المرئية بين الانتماء والذوبان، وبين التكيف والامتثال، وبين مراعاة الآخرين والتنازل عن النفس، تبدأ أزمة أكثر عمقًا من مجرد الرغبة في إرضاء الناس؛ تبدأ أزمة العلاقة بالذات نفسها.

فالهوية، في حقيقتها، ليست تمثالًا يُنصب مرة واحدة ثم يُطلب منه أن يبقى ثابتًا إلى الأبد، وليست وثيقة نهائية تُسلَّم إلى الإنسان عند ولادته وتحدد له إلى أين ينبغي أن يذهب ومن ينبغي أن يكون.

الهوية أكثر سيولة وتعقيدًا من ذلك؛ إنها حركة مستمرة بين الذاكرة والتجربة، بين ما ورثناه وما اخترناه، بين ما نحمله من الماضي وما نعيد إنتاجه في الحاضر، وبين ما نظنه ثابتًا فينا وما تكشف لنا الحياة أنه قابل لإعادة النظر.

ولهذا فإن الإنسان قد يكون وفيًا لذاته حين يتغير، كما قد يكون خائنًا لها حين يصر على الثبات.

ليس كل تغير تناقضًا، كما أن كل ثبات ليس بالضرورة أصالة.

أحيانًا تكون إعادة النظر أكثر صدقًا من الإصرار، ويكون التخلي عن صورة قديمة للنفس هو الشرط الضروري لاستعادة معناها.

فالنضج لا يعني أن يصبح الإنسان نسخة أكثر صلابة من نفسه القديمة، وإنما أن يصبح أكثر قدرة على فهم تعدده الداخلي، وعلى السماح لأجزاء مختلفة منه بأن تتعايش دون أن يضطر إلى إعدام أحدها كي يمنح الآخر حق الوجود.

ومن أكثر المفارقات قسوة أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة في محاولة ألا يكون مختلفًا، ثم يقضي ما تبقى من عمره في محاولة العثور على ذلك الاختلاف الذي أضاعه وهو يحاول التشبه بالجميع. ففي سبيل الصورة الاجتماعية المقبولة، تُقمع العفوية، وتُؤجل الرغبات، وتُختزل المغامرة إلى ترف، ويصبح الفرح نفسه بحاجة إلى تبرير.

ضحكة لا تُطلق لأن المكان لا يسمح، رحلة لا تُخاض لأن أحدًا قد لا يفهم سببها، علاقة تُرفض لأنها لا تتناسب مع الصورة، رغبة تُدفن لأنها لا تبدو «مهمة»، ولحظة طفولية تُقتل في مهدها لأن صاحبها تعلم مبكرًا أن عليه أن يكون جادًا، محسوبًا، وملائمًا لما ينتظره الآخرون منه.

وهكذا تُستبعد من الحياة أشياء تبدو صغيرة في لحظتها، لكنها ربما كانت أكثر ما يمنحها معناها؛ لأن الحياة، في النهاية، لا تتكون فقط من الإنجازات الكبرى التي تُعرض في السيرة الذاتية، وإنما من تلك التفاصيل التي لا تجد مكانًا في الملفات ولا في الشهادات ولا في الصور الرسمية، لكنها وحدها تعرف كيف تجعل الإنسان يشعر بأنه كان حاضرًا في حياته.

ولعل الوهم الأكبر الذي يرافق هذه العملية كلها هو الاعتقاد بأن الناس يراقبوننا بالقدر الذي نراقب به أنفسنا من خلالهم.

يعيش كثيرون كما لو أنهم فوق خشبة مسرح لا تنطفئ أضواؤها، يراجعون كلماتهم، وملابسهم، وعلاقاتهم، واختياراتهم، وحتى طريقة حزنهم وفرحهم، لأن هناك دائمًا جمهورًا متخيّلًا ينتظر الحكم.

غير أن المفارقة أن كل فرد تقريبًا منشغل بالمسرح الخاص به، وبصورته الخاصة، وبالخوف نفسه من نظرات الآخرين. وهكذا قد ينفق الإنسان سنوات من عمره في محاولة إرضاء جمهور لا يملك الوقت الكافي لتذكر المشهد بعد انتهاء العرض. ومع ذلك تستمر اللعبة، لأن الحاجة إلى الاعتراف من أقدم حاجات الإنسان وأكثرها التباسًا؛ فالإنسان لا يريد فقط أن يكون موجودًا، بل يريد أن يُرى، وأن يُعترف به، وأن يشعر بأن وجوده له قيمة في أعين الآخرين.

لكن حين تتحول الحاجة الطبيعية إلى الاعتراف إلى تبعية كاملة له، يصبح الإنسان مستعدًا للتنازل عن أجزاء من نفسه مقابل جرعة من القبول الاجتماعي، وقد يصل الأمر به إلى أن يربح إعجاب الآخرين ويخسر، في المقابل، علاقته الداخلية بنفسه.

وهنا تصبح الحرية أكثر تعقيدًا من مجرد فعل ما نريد. فالحرية ربما تبدأ في مكان أكثر خفاءً: في القدرة على التمييز بين ما نريده وما تعلمنا أن نريده، بين الرغبة والحاجة، بين القناعة والعادة، بين الاختيار والامتثال، وبين الانتماء والخوف من النبذ.

أن يستطيع الإنسان أن يقول «نعم» دون أن يكون مدفوعًا بالحاجة إلى القبول، وأن يقول «لا» دون أن يتحول رفضه إلى استعراض للاستقلال.

أن يغير رأيه دون أن يشعر بأنه انهار، وأن يعيد تعريف نفسه دون أن يعتبر ذلك خيانة لماضيه، وأن يعترف بأن بعض الأشياء التي كانت تعني له الكثير لم تعد تعنيه اليوم، وأن بعض ما كان يراه تافهًا قد يكتشف لاحقًا أنه كان يحمل شيئًا من جوهر الحياة.

فربما لا تكون الحكمة في أن نثبت لأنفسنا وللعالم أننا لم نتغير، وإنما في أن نعرف كيف تغيرنا ولماذا، وما الذي بقي فينا رغم كل التحولات.

وفي نهاية المطاف، ليست المأساة الحقيقية أن يختلف الإنسان مع محيطه، ولا أن يفشل في إرضاء الجميع، ولا حتى أن يعيش حياة لا تشبه الصورة المثالية التي رسمها لنفسه. المأساة الأكثر صمتًا أن ينجح في كل ما طلبه منه الآخرون، ثم يكتشف، بعد أن يهدأ التصفيق وتغلق الأبواب وتنتهي المناسبات، أن كل ذلك النجاح كان موجّهًا إلى صورة لا إلى إنسان.

أن يمتلك شهادة، ومكانة، وسمعة، وعلاقات، وصورًا جميلة، وأن يعرفه الجميع تقريبًا، ثم يعجز عن الإجابة عن السؤال الأكثر بساطة والأكثر قسوة: هل عاش؟ لأن الموت لا يأخذ معه الشهادات ولا المظاهر ولا الإطراءات ولا عدد المرات التي قيل فيها إن الإنسان ناجح ومحترم ومثالي؛ ما يبقى، في المعنى الإنساني العميق، هو ما عُيش فعلًا: ضحكة خرجت من القلب، لحظة دهشة، محبة صادقة، مغامرة صغيرة، طريق لم يكن محسوبًا، صداقة لم تحتج إلى أداء، ووقت لم يكن الإنسان فيه مضطرًا إلى تمثيل أي دور.

وربما لهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح في نهاية الطريق ليس كم شخصًا أُرضي، ولا كم صورة جميلة تركها الإنسان خلفه، وإنما سؤال أكثر إزعاجًا: هل كانت تلك الحياة لنا فعلًا، أم أننا أمضيناها في أداء الحياة التي صاغها الآخرون لنا؟ ففي النهاية، قد يستطيع الإنسان أن يخدع المجتمع طويلًا، وقد يستطيع أن يقنعه بأنه سعيد، وناجح، ومكتمل، وقد يستطيع حتى أن يقنع نفسه بذلك لبعض الوقت، لكن العمر لا يقبل التمثيل إلى ما لا نهاية؛ إنه يمضي، ويأخذ معه كل اللحظات التي جرى تأجيلها باسم الضرورة، وكل الضحكات التي قُتلت باسم الوقار، وكل الرغبات التي دُفنت باسم الصورة، وكل الأسئلة التي أُسكتت باسم ما ينبغي.

وحين لا يبقى شيء تقريبًا، قد لا يكون أكثر ما يؤلم الإنسان أنه لم يصبح ما أراده الآخرون منه، بل أنه لم يمنح نفسه، ولو مرة واحدة، فرصة أن يعرف من كان يمكن أن يكون.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*