USFP bann

يوم قطعت المسافة مشيا على الأقدام من “عين الشق” عبر “بين المدون” نحو سينما لانكس، لأصادف عبد الكريم الدرقاوي وهو ممسك ببازوكة

يوم قطعت المسافة مشيا على الأقدام من “عين الشق” عبر “بين المدون” نحو سينما لانكس، لأصادف عبد الكريم الدرقاوي وهو ممسك ببازوكة موجهاً فوهتها نحو ممثل وممثلة في صيف 1976

كتبها: الإعلامي أحمد الدافري

عندما بدأت أعي بما يحدث حولي وأنا طفل أدرس في الابتدائي، كان أعظم يوم أنتظره طوال العام، هو اليوم الأخير من نهاية شهر يونيو، الذي كنت أحصل فيه على نتيجة السنة الدراسية، وآتي فيه إلى البيت حاملا ورقة “المعدل”، وأخبر والدتي وأنا فرحان بأنني نجحت، وأسألها : إمتى غانمشيو عند أمي جدة؟

 في بداية شهر يوليوز، كان يأخذنا والدي نحو المحطة الطرقية، حاملين مؤونة الصيف فوق عربة خشبية ذات عجلتين يجرها وراءه رجل “حمّال” معروف في المدينة، ينظر بعين واحدة فقط والأخرى مغلقة لا يرى بها، كان يكلفه والدي بحمل كل الحاجيات التي يبعثها لنا من بيته الوظيفي في الغابة أو الجبل، حيث كان يشتغل حارسا للغابة.   

  كنا نركب حافلة “البرادلي” المخططة أفقيا بالأبيض والأزرق السماوي، والدتي وأنا وإخوتي الذكور والإناث، في اتجاه محطة بن جدية بالدار البيضاء، على أساس أن نقضي عطلة الصيف الطوبلة في بيت والدي بعين الشق، الذي كانت تقيم فيه جدتي أمي زهرة، أم والدتي. 

عندما كنا نصل إلى محطة بن جدية في الدار البيضاء، كانت والدتي تشير لنا نحو عمارة شاهقة، يسمونها “ديس سات إيطاج”، وكانت تقول لنا : فهاذ العمارة كيسكن عبد الوهاب الدكالي.

وكان حينها عبد الوهاب الدكالي مطربا معروفا ليس فقط في المغرب، بل على الصعيد العربي، خصوصا في مصر، التي كان قد أقام فيها في الفترة ما بين 1962 و 1965 ونظم فيها حفلات غنائية وشارك فيها في فيلم استعراضي عنوانه “القاهرة في الليل” من إخراج محمد سالم وغنى فيه أغنية من تلحينه، كما شارك في فيلم من إخراج يوسف شاهين عنوانه “رمال من ذهب”، قبل أن يمثل في الفيلم المغربي “الحياة كفاح” من إخراج أحمد المسناوي ومحمد التازي سنة 1968.  

كنا نقضي عطلة الصيف الطويلة كلها في عين الشق.

  وكانت حينها عطلة الصيف تستغرق ثلاثة أشهر ، من يوليوز إلى سبتمبر . 

في نهاية يونيو 1970، كنت قد نجحت في القسم التحضيري.

  أتيت بعد العصر قادما من مدرسة مولاي علي بوغالب وفي يدي ورقة معدل النجاح.

 

 وجدت والدتي في الصالة وسط البيت تقوم بكيّ الملابس بالمكواة الكهربائية المتصلة بمقبس التيار بواسطة خيط كهربائي سميك، كنا نسميها “البلانشا”. 

 

أخبرتها أنني نجحت وأنا ألوح كالعادة بورقة “المعدل”. 

كانت هي والدتي ومعلمتي في البيت. 

 

كانت والدتي تراجع معي دروسي أنا وإخوتي في فترة كان فيها قليل من الأمهات المغربيات استفدن من التمدرس. 

 

كانت جدتي، أمي زهرة، في الأربعينيات تشتغل في بيت فرنسية وفرنسي متزوجين، يقطنان في حي المعاريف، وكانا يعملان أستاذين في مدرسة ابتدائية، ولم ينجبا أولاد. وكانت أمي جدة تأخذ معها والدتي وهي طفلة صغيرة وتقضي معها اليوم في بيت المُدرّسين الفرنسيين الزوجين اللذين قالا لأمي جدة يوما بأن ابنتها الطفلة فاطمة لابد أن تلتحق بالمدرسة. فتم ذلك، ودخلت والدتي المدرسة ويسر الله لها في الدراسة إلى أن وصلت إلى مستوى Cours Moyen 2ème année الذي كان يختصر بـ CM2 (المتوسط الثاني) الذي بكافئ اليوم مستوى الخامس ابتدائي. 

 

 كان يأتي بعض أصدقائي الصغار عندي إلى البيت في القصر الكبير، ومنهم صديقي الصغير عبد الله الهراسي الذي كان يسكن رفقة جده وجدته في حومة سيدي بورمانة قبالة البيت الكبير لعائلة الطريبق، والذي كان يدرس معي في التحضيري وتوفي في صيف 1971 بسبب مرض نتجت عنه حمى شديدة. وكان أولئك الأصدقاء الصغار يتعجبون عندما يجدون والدتي ممسكة بالقرآن أو بمجلة “الموعد” الفنية اللبنانية، وكانوا يسألونني هل والدتي تعرف القراءة، فكنت أجيبهم بفخر نعم إنها تعرف القراءة والكتابة بالفرنسية والعربية.  

 

عندما كنا نسافر في عطلة الصيف إلى بيتنا في الدار البيضاء، كان والدي يأتي عندنا، ويقضي معنا فقط بضع أيام. فمدة عطلته هو كانت قصيرة. ولم يكن مسموحا له بمغادرة مقر عمله في الغابة أو الجبل خصوصا في فصل الصيف. 

 

البيت الذي حصل عليه والدي بعد الاستقلال، كان في أقواس عين الشق.

والبيوت في ذاك الحي متشابهة، يتم الولوج إليها عبر أقواس، وقد بنيت في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي ضمن مشروع السكن الموجه للمغاربة، وتتميز بأزقتها الضيقة والمنظمة، والمرصصة بأحجار مصقولة كنا نسميها “الكاياص”.  

 

في بيتنا بعين الشق، عندما كنا نخرج من الزقاق عبر قوسه الأمامي وننعطف يسارا ، كنا نقطع مسافة قصيرة مرورا بمحلات العدول، قبل أن نصل إلى سينما الصحراء بجانب مسجد وسوق عين الشق، وهما القلب النابض للحي، حيث يمثل المسجد العتيق بهندسته التقليدية نقطة ارتكاز جغرافية لأهل الحي، ويمتد السوق بجانبه مركزا للحياة اليومية.

 

أما حين كنا ننعطف يمينا في اتجاه شارع مديونة، فكنا نصل إلى “دار الخليفة” وهي مقاطعة إدارية، ومركز البربد (البوسطة)، وحديقة الأطفال (الزعلولة) التي كانت المتنفس للأطفال في تلك الفترة، ونقطة التقاء شهيرة لأبناء أقواس عين الشق.

 

 كانت حافلات الوكالة المستقلة للنقل الحضري بالدار البيضاء (RATC)، والتي كان يطلق عليها البيضاويون شعبيا اسم “الطاك”، تتميز بطلائها الأحمر الفاقع بالكامل خلال فترة الستينات والسبعينات.

 

عادة عندما كنا نريد أن نذهب من البيت إلى وسط المدبنة، كنا نستقل الخط رقم 4 أوالخط رقم 26، وكانا من أشهر وأقدم الخطوط التي ربطت الأحياء الجنوبية لمدينة الدار البيضاء بوسط المدبنة، حيث كان الخط 4 ينطلق أساسا من منطقة عين الشق، ويمر عبر ساحة السراغنة، قلب درب السلطان، متوجهاً بعد ذلك صوب وسط المدينة.  

 

بين مسجد عين السوق والسوق الموجود داخل بناية مغلقة ومغطاة، كانت هناك ساحة من تراب يمارس فيها الشباب كرة القدم.، ويسمونها “الوسيعة”. وكانت تطل على الساحة من الخلف منطقة “بانوراميك” (Panoramic) التي منها كنت أمر كي أصل لحي بين المدون الذي كان يقيم فيها خالي عبد القادر، وهو خال والدتي، الرجل العبدي الذي كان بشتغل حارسا للحدائق، بزيه الرسمي المخزني. 

 

كان يتنا في أقواس عين الشق فوقيا، لديه باب في الأسفل منفتح على الزقاق، ويتم االصعود إليه عبر الدرج الداخلي فور فتح الباب الرئيسي، وكان يمثل التصميم النموذجي لبيوت عين الشق التي بنيت لتستوعب العائلات البيضاوية بعد أن تخلص المغرب من الحماية الفرنسية.  

 في رأس دربنا قبالة الشارع الذي يؤدي يمينا إلى الزعلزلة وبسارا إلى المسجد وسينما الصحراء، كان يوجد دكان ابّا بوجمعة، “مول الحانوت”، الرجل الأمازيغي أسود البشرة، وكان هذا الحانوت يمثل العصب الحيوي للزقاق، ويجمع بين بيع المواد الغذائية والفحم الخشلي (الفاخر)، وكان الفاخر أمرا شائعا جدا آنذاك، وكان المادة الأساسية للطبخ وإعداد الشاي في كل البيوت المغربية قبل انتشار قنينات الغاز الصغيرة بشكل واسع.

 

وأمام حانوت ابا بوجمعة كانت توجد “العوينة”، وهي سقاية عمومية، عبارة عن أسطوانة حديدية يتم تدويرها من فوق مثل الرحى فينسكب الماء من صنبورها. 

هذه العوبنة الحديدية الأسطوانية المزودة بمضخة يدوية دائرية “يد حديدية تدور مثل الرحى” مضخة يدوية، كانت تسمى أيضاً “البومبا”، و كانت هذه العوينات بتجمع حولها بائعو الماء (الكًرابة) بعربات مجرورة بالحمير، بملؤون البراميل القصديرية المغلفة بالجلد الأسود.

 أولئك السقاؤون كانوا يزودون بالماء الشروب منازل بعض الأحياء التي لم تكن مرتبطة بشبكة شركة المياه “الرّيجّي”. 

وكاتوا يبيعون برميل الماء من فئة عشرين لترا بريالين، أي بعشرة فرنكات، حيث كان درهم واحد يساوي 100 فرنك، والريال يساوي 5 فرنكات.

 

 في بداية السبعينيات، كانت الرحلة العائلية في اتجاه وسط مدبنة الدار البيضاء صبفا، من بيت والدي بعين الشق حيث تقيم جدتي أمي زهرة، والدة أمي، تتم عبر الحافلة الحمراء 4 أو 26. 

 

كنا نذهب إلى “نصف الكرة الأرضية”، وهو الهيكل الحديدي الشهير، الذي يغطي الممر تحت الأرضي والنافورة الصغيرة. كان هذا الممر مليئا بالناس، وكان منهم من يرمي قطع النقود من فئة فرنكبن أوخمسة فرنكات.أو 10 فرنكات في نافورته الداخلية، وكانت تلك عادة عالمية انتقلت للدار البيضاء حيث كان الناس يرمون النقود ويتمنون أمنية، وكانت تلك العادة أيضا رمزا لجلب الحظ. بعدها كنا نمر عبر ساحة فرنسا قبل أن نصل إلى النافورة الكبيرة والساعة (المكانة) حيث كانت توجد ساحة الحمام، وقبالتها مقر الولاية/العمالة بساعتها الشهيرة (المكانة) المثبتة في منارته العالية.

 

كما كان العبور من تحت الكرة الأرضية يؤدي نحو باب مراكش، ومنه إلى سوق البحيرة وأصوات باعة الملابس والأقمشة في الأزقة الضيقة وهم يطلقون نداءاتهم الإيقاعية المتكررة:”عشرين ريال آلمرا، ثلاثين ريال آ المرا، ربعين ريال آ لمرا، ستين ريال آلمرا…

 

في أحد أيام شهر يوليوز من سنة 1976, خرجت بعد الظهر من بيتنا في عين الشق بعد أن أخبرت والدتي أنني سأذهب إلى حي بين المدون لزيلرة خالي عبد القادر وزوجته أمي محجوبة وابنهما مصطفى.  

 

كنت قد طلبت من شقيقي محمد جلال أن يرافقني. لكنه لم يفعل. 

 

في حي بين المدون استقبلتني امي محجوبة زوجة خالي (خال أمي) عبد القادر، وكانت امرأة من منكقة اولاد احريز, ضعيفة البنية، وفي منتهى الحنان. لم أجد في البيت لا خالي ولا ابنه مصطفى الذي كان حيننها شابا في العشرين. 

 

خرجت من يت خالي في حي بين المدون، وقررت أن أذهب إلى وسط المدينة مشيا على الأقدام.

 

المشي الطويل على الأقدام من عين الشق إلى وسط المدينة ذهابا وإيابا عادة كنت أمارسها أنا وشقيقي محمد جلال.

 

من جي بين المدون مررت على سوق القريعة، ثم على حي درب الشرفاء الذي تركته على يميني، قبل أن أصل إلى ساحة السراغنة. 

 

في الطريق كان لابد لي من الذهاب إلى سينما الكواكب من أجل التأمل في ملصقاتها الملونة، الخاصة بأفلام الويسترن، والافلام الهندية والمصرية. 

 

بعدها واصلت السير نحو سينما موريطانيا: في قيسارية الحفارين الشهيرة، لاكتشاف عروضها.

 

ثم توجهت صعودا نحو سينما الملكي (الرويال)، وهي من كبريات قاعات درب السلطان. 

 

ثم مررت على قنطرة السكة الحديدية ووصلت إلى حي الحبوس، ووقفت أمام واجهات ومكتبات الحي العتيق، مثل مكتبة الرشاد، النجاح، أو الثقافة، لقراءة عناوين الكتب عبر الواجهات الزجاجبة.

 

بعدها توجهت نحو حديقة مردوخ الأنيقة، بأشجارها الوارفة، وجلست هنبهة داخلها فوق واحد من كراسيها الخشبية، من أجل أخذ قسط من الراحة واستجماع الأنفاس.

 

وبعدها توجهت نحو شارع مرس السلطان في اتحاه سينما لانكس (Lynx)،

 

عند وصولي إلى الشارع، تفاجأتُ بأن حركة السير المعتادة مقطوعة، وأن هناك ازدحاما شديدا وجمهورا غفيرا من الناس متكدسين وراء حواجز حديدية يحرسها عناصر من الشرطة. اخترقتُ الحشود بفضول طفولي لأرى ما يحدث.

فصُعقت بمشهد مذهل.

 

 كانت هناك عربة حديدية كبيرة تتحرك ببطء وسلاسة فوق سكة حديدية ممدودة على الأرض (Travelling). 

وفوق العربة، كان يقف شاب نحيف الجسم، كثيف الشعر بشكل لافت، يمسك بثبات آلة ضخمة تشبه قاذفة الصواريخ “البازوكة”، ويوجه فوهتها بدقة نحو شخصين، شاب وشابة، يقفان أمام الباب الرئيسي لـ سينما لانكس (Lynx) ذات التصميم المعماري الإيطالي الفريد الذي يشبه واجهة باخرة عملاقة.

 

عرفتُ لاحقا أن ذلك الشاب النحيف لم يكن سوى مدير التصوير والمخرج الموهوب عبد الكريم الدرقاوي، وأن تلك “البازوكة” لم تكن سوى كاميرا تصوير سينمائي احترافية من نوع 16 مليمتر مزودة بأغطية وعدسات ضخمة.

 

 أما الشاب والشابة أمام باب السينما فهما الممثل الراحل أحمد الناجي، بكامل أناقته السبعينية ببنطلونه العصري وقميصه الأخضر، والممثلة عائشة سعدو. 

 

كان الممثل في ذاك المشهد، يأتي مسرعا في لقطة مفعمة بالمشاعر ليعانق الممثلة بحب، أمام الكاميرا، وسط انهماك وحركة دؤوبة لعدد من التقنيين الشباب، حيث كانت اللقطة تُعاد المرة تلو الأخرى لإتقانها.

 

ولم يكن هذا العمل سوى الفيلم المشترك والتاريخي “رماد الزريبة”، الذي أنتجته شركة “بسمة للإنتاج” التي أسسها في تلك الفترة مجموعة من السينمائيين الشباب الطليعيين، هم عبد الكريم الدرقاوي وشقيقه مصطفى، ومحمد الركاب، وعبد القادر لقطع، وسعد الشرايبي، والراحل نور الدين كونجار ابن خالة الدرفاوي، ليصنعوا ثورة في السينما المغربية البديلة التي كانت تبحث عن أسلوب سينمائي متفرد لقراءة عوالم مرحلة السبعينيات في فضاءات الدار البيضاء الصاخبة.

 

وقفتُ هناك وراء الحواجز الحديدية مبهورا.

 

 طفل من أقواس عين الشق، يشهد بالصدفة ولادة مشهد سينمائي خالد، قبل أن يبدأ رحلة العودة مشيا عبر نفس المسار، محملا بحكاية مشهد ساحر، سيقصها بعد عودته إلى حي عين الشق على شقيقه جلال وصديق طفولته وجاره حسن الرجراجي ابن الحلاق، تاركا خلفه شارع مرس السلطان وأضواء سينما لانكس التي لا تنطفئ في الذاكرة.

وهذا ما كان

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*