الأبعاد الجيوسياسية الخفية للاتفاق الأمني القطري-الإسباني حول مونديال 2030 في سياق التوترات السياسية الحالية بين المغرب وإسبانيا
الأبعاد الجيوسياسية الخفية للاتفاق الأمني القطري-الإسباني حول مونديال 2030 في سياق التوترات السياسية الحالية بين المغرب وإسبانيا
كتبها: الإعلامي أحمد الدافري
توقيع الاتفاقية الأمنية بين قطر وإسبانيا في 8 سبتمبر 2026 تحت مسمى “تأمين مونديال 2030” يتجاوز في جوهره الترتيبات الرياضية والبروتوكولية المعتادة بين الدول، إذ يأتي في توقيت جيوسياسي حساس وفي ذروة الاحتقان الدبلوماسي والإعلامي بين المغرب وإسبانيا.
فإسبانيا من خلال تقاربها مع قطر في إطار اتفاقية “خطاب النوايا” الأمنية هذه، تسعى إلى إيجاد حليف مالي وسياسي وازن يفرمل الصعود المغربي المتنامي المدعوم إماراتيا.
بينما تتحرك قطر ببراغماتية لتأمين مصالحها ومصالح حلفائها الإقليميين وعلى رأسهم الجزائر، في ملفات الطاقة الحيوية وسلاسل الإمداد العالمية.
فتوقيع الاتفاقية في 8 سبتمبر 2026 لا يمكن فصله عن الهزات الناتجة عن أزمة الهجرة غير النظامية العنيفة التي شهدتها حدود مدينة سبتة المحتلة في نهاية شهر يوليو 2026.
فخلال هذه الأزمة قادت أحزاب اليمين واليمين المتطرف مثل حزب فوكس والحزب الشعبي، إلى جانب تيارات من اليسار الراديكالي، هجوما شرسا ضد المغرب، متهمة إياه بالضلوع المباشر في التسهيل أو غض الطرف المتعمد بخصوص عبور عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، واصفة الأمر بالحرب الهجينة ضد أسبانيا.
و بالتزامن مع التحقيقات القضائية الإسبانية والضغط داخل البرلمان الأوروبي، شنت وسائل إعلام إسبانية حكومية وخاصة حملة بروباغندا مكثفة ضد المغرب، وذهبت بعض هذه المنابر إلى أبعد من المطالبة بمقاطعة المنتجات الفلاحية، لتطالب علنا بإقصاء المغرب من تنظيم كأس العالم 2030، أو الضغط لسحب تنظيم المباراة النهائية لصالحه بالمستقبل.
في ظل هذا العداء السياسي الداخلي والمطالبات بإقصاء المغرب من الشراكة في تنظيم المونديال، جاء التحرك الإسباني السريع نحو قطر في بداية الأسبوع الثاني من سبتمبر لتوقيع اتفاق “تأمين المونديال”، وهي خطوة تحاول إسبانيا من خلالها إرسال رسالة للمغرب بأنها قادرة على هندسة أمن المونديال والتحالف مع قوى تنظيمية أخرى خارج النطاق المغربي-الإماراتي.
وفي هذا السياق ينبغي استحضار أن مضيق جبل طارق الذي تتأجج داخله هذه الأزمة، يتجاوز كونه ممرا بحربا عاديا تتحرك فيه السفن التجاربة بسلاسة ، بل تحول إلى ساحة حرب تجاربة ولوجستية بين ضفتيه، تغذيها الرغبة الإسبانية في الاستقواء الخارجي، ببلدان الاتحاد الأوروبي، وبلدان أخرى لها حساباتها الخاصة، مثل قطر.
فالصعود الصاروخي لـميناء طنجة المتوسطي شكل صدمة للهيمنة اللوجستية الإسبانية، ومع بداية تشغيل جزء من ميناء الناظور غرب المتوسط، أصبح المغرب يتحكم عمليا في التدفقات التجارية البحرية.
هذا التفوّق المغربي البحري على مستوى التدفقات التجارية، سحب البساط تدريجيا من ميناء “الجزيرة الخضراء” Algeciras وموانئ الجنوب الإسباني التي خسرت حصصا سوقية هامة.
كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن إسبانيا تواجه اليوم معضلة تمويل تحديث موانئها رقميا ولوجستيا لمجاراة السرعة المغربية. وهنا تتدخل قطر عبر ذراعها المسمى “موانئ قطر” واستثماراتها غير المباشرة، حيث يمنح هذا التنسيق إسبانيا تدفقات مالية حيوية للصمود والمنافسة، بينما يضمن لقطر موطئ قدم استراتيجي في أهم نقاط الاختناق البحرية المؤدية إلى قلب القارة الأوروبية، مما يحول الاتفاق الأمني إلى غطاء لتفاهمات تجارية أعمق بعيدة المدى.
كما أن الصراع الجيوسياسي الخليجي، لقطري الإماراتي، يمتد ليلقي بظلاله على مشاريع الطاقة الكبرى في إفريقيا وغرب المتوسط، حيث تتصادم رؤيتان استراتيجيتان.
فهناك رؤية محور المغرب – الإمارات، الذي يرتكز على الدعم المالي الاستثماري الضخم الذي تقدمه دولة الإمارات لتمويل أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب. وهذا المشروع يعيد تشكيل تصميم خارطة للطاقة الأوروبية بجعل المغرب هو حارس الطاقة الجديد، وبوابتها الإلزامية، مما يمنحه نفوذا سياسيا غير مسبوق في أوروبا.
وهناك في المقابل، رؤية محور قطر – الجزائر،، حيث تعد قطر الشريك والمستثمر الاستراتيجي الأول في قطاع الغاز والنفط الجزائري وتجمع الطرفين رؤى مشتركة لتوازنات السوق، وتدعم قطر تاريخيا أنبوب الغاز العابر للصحراء، نيجيريا-الجزائر-أوروبا، والذي يمثل المنافس المباشر والشرس للمشروع المغربي.
وهكذا، فإن نجاح المحور المغربي-الإماراتي، يعني إضعاف الأهمية الاستراتيجية للغاز الجزائري، وهو ما يهدد توازنات سوق الغاز العالمي التي تمتلك فيها قطر حصة الأسد.
لذلك، يمثل التقارب القطري الإسباني محاولة قطرية لبناء أوراق ضغط داخل إسبانيا، لتوجيه بوصلة قرارات الطاقة المستقبلية بما يخدم مصالح المحور القطري.
وتكشف القراءة المعمقة لكيفية إدارة الأزمات في المنطقة عن استخدام الحروب الإعلامية الموجهة لفرملة النجاحات الاقتصادية المغربية.
فإثارة الزوبعة مثلا عبر أذرع إعلامبة قطرية، من خلال أخبار رسو السفن التجارية أو العسكرية في الموانئ المغربية، وربطها إعلاميا بملف الحرب في الشرق الأوسط عبر منصات وتيارات معينة، لم يكن محض تفاعل شعبي تلقائي. بل جرى استغلاله وتضخيمه في إطار بروباغندا واضحة تهدف إلى إحراج المملكة المغربية سياسيا ودبلوماسيا أمام الرأي العام العربي والإسلامي. أي أن الغرض من هذا التشويش هو ضرب السمعة الدولية والموثوقية الأمنية للموانئ المغربية الكبرى، وتحويل تفوقها اللوجستي من عنصر قوة اقتصادي إلى تجاوز أخلاقي. والمستفيد المباشر من هذا الإحراج هي الموانئ الإسبانية المنافسة التي تسعى لاستعادة تلك الخطوط الملاحية والسفن، إلى جانب أطراف إقليمية أخرى ترغب في فرملة الصعود الجيوسياسي للمملكة.
وهذا ما كان

