الوزير ليس ملاكاً ولا شيطاناً.. حاسبوه على مقعده في الوزارة لا على سرير نومه
كتبها: سفيان خليهن
في الأيام الأولى لأي حكومة في المغرب، يتكرر نفس المشهد ، بنفس السيناريو الرديء: تُترك البرامج والميزانيات والسياسات العمومية جانباً، ويُفتح سوق نخاسة رقمي عنوانه “حياة الوزراء الشخصية”.
هذا الوزير تزوج، تلك الوزيرة طلقت، هذا الوزير شوهد في مطعم فاخر، تلك الوزيرة ترتدي ساعة باهظة، هذا الوزير كان له ماضٍ، تلك الوزيرة قالت كلمة في حفل خاص قبل عشر سنوات.
ويتحول الفضاء العام من فضاء للمحاسبة إلى حمام بخار للنميمة، ومن ساحة للديمقراطية إلى سوق عكاظ للتشهير.
لنكن واضحين ورزينين.
الديمقراطية حققت للمواطن حقاً مقدساً: أن يحاسب من يحكمه. لكنها لم تمنحه أبداً حق هتك ستره، ولا حق تحويل حياته الخاصة إلى مادة للفرجة.
الوزير شخصية عمومية في مكتبه، ومواطن عادي في بيته. هو مسؤول أمامنا عن توقيعه في مرسوم، وعن قراره في مجلس الحكومة، وعن تدبيره لقطاعه، وعن احترامه للمال العام. لكنه ليس مسؤولاً أمامنا عن من أحب، ومن تزوج، وماذا أكل، وأين قضى عطلته، ما دام ذلك من ماله الخاص ولا يمس القانون.
عندما نحاسب وزير التعليم عن نسبة الهدر المدرسي، فنحن نمارس الديمقراطية.
وعندما نلاحق وزير التعليم لأنه التقط صورة مع أبنائه في شاطئ، فنحن نمارس الانحطاط.
الأولى تبني وطناً، والثانية تهدم إنساناً.
المصيبة اليوم أن العالم الرقمي خلق معياراً جديداً فاسداً لنجاح الوزير وفشله.
أصبحنا نقيس كفاءة الوزير بعدد اللايكات التي حصدها خبر زواجه، وبعدد التعليقات التي جمعها فيديو مفبرك عنه، وبعدد الهاشتاغات التي تطالب بإقالته لأنه قال كلمة لم تعجبنا في حياته الخاصة.
هذا ليس معياراً. هذا وهم
العالم الرقمي لا يصنع الوزراء ولا يقيلهم. لو كان الأمر كذلك، لكان كل مشهور على تيك توك أولى بالوزارة من مهندس قضى عشرين سنة في قطاعه.
تعيين الوزراء تحكمه مسطرة دستورية واضحة: اقتراح من رئيس الحكومة وتعيين من الملك.
وإقالتهم تحكمها حصيلة وفشل في التدبير، لا حملة تشهير في الواتساب.
من يعتقد أن حملة سب وقذف في الفايسبوك ستغير تشكيلة حكومية، فهو لا يفهم الدولة ولا يفهم الدستور. الدولة لا تدار بالطوندونس، بل بالمؤسسات.
ماذا نريد من الوزير فعلاً؟
لنطرح السؤال بصدق: ماذا يهمنا كمواطنين من الوزير؟
هل يهمنا أن يكون الوزير بلا أخطاء شخصية في حياته؟ هذا مستحيل. لا يوجد إنسان بلا ماضٍ، بلا هفوة، بلا خطأ. حتى الأنبياء بشر.
ما يهمنا هو ثلاثة أشياء فقط:
1. هل يحترم القانون؟ هل يسرق المال العام؟ هل يستغل منصبه لترقية أقاربه؟ هل يخرق القانون؟ هذا هو ما يجب أن نفضحه.
2. هل يعمل بكفاءة؟ هل القطاع الذي يديره تحسن أم تدهور؟ هل المستشفيات أصبحت أفضل؟ هل المدارس تحسنت؟ هل الاستثمار ارتفع؟ هذه هي الحصيلة التي يجب أن نحاسبه عليها كل ستة أشهر.
3. هل يحترم المواطن؟ هل مكتبه مفتوح؟ هل يتواصل باحترام؟ هل يستمع للنقد؟
أما حياته الخاصة، فهي ملك له، وليست ملكاً للعموم.
أيها المواطن.. كن رقيباً لا جلاداً
أيها المواطن الكريم،
من حقك أن تغضب، ومن حقك أن تحتج، ومن واجبك أن تحاسب. لكن لا تكن جلاداً.
عندما تفتح هاتفك وتجد خبراً عن الحياة الشخصية لوزير، اسأل نفسك سؤالاً بسيطاً: هل هذا الخبر سيساعد ابني في المدرسة؟ هل سيوفر دواء لأمي في المستشفى؟ هل سيخفض ثمن الخبز؟ إذا كان الجواب لا، فتجاهله. فهو مجرد تشتيت لك عن معركتك الحقيقية.
معركتك الحقيقية ليست مع زوجة الوزير ولا مع ساعة الوزير، معركتك مع قرار الوزير.
لا تسمحوا لأحد أن يسرق منكم بوصلتكم. قوة المغاربة كانت دائماً في رزانتهم وحكمتهم. كنا شعباً لا ينهش لحم بعضه، بل يحاسب بعضه برقي.
حاسبوا الوزراء في البرلمان، حاسبوهم بالأرقام، حاسبوهم بالتقارير، حاسبوهم في صناديق الاقتراع. لكن لا تحاسبوهم في غرف نومهم.
فالوزير الذي يخاف من الفضيحة الشخصية، سيصبح جباناً لا يتخذ قراراً. والوزير الذي يعرف أن الناس تراقب عمله فقط، سيصبح قوياً يعمل لصالحهم.
نريد وزراء أقوياء يخافون من حصيلتهم، لا وزراء ضعفاء يخافون من الكاميرا.
التشهير ليس محاسبة.
النميمة ليست ديمقراطية. والحياة الشخصية ليست برنامجاً حكومياً.
دعوا الوزراء يعيشون حياتهم الشخصية بعيوبها، وحاسبوهم على حياتهم العمومية بإنجازاتها.
بهذا فقط نكون شعباً راقياً، ودولة تحترم القانون والإنسان معاً.
