هل أصبح الفيسبوك سلطة سياسية موازية؟
كتبها: محسن بنتاج
لم يعد الفيسبوك مجرد فضاء افتراضي لتبادل الآراء أو متنفسا اجتماعي لتصريف الغضب والتعبير عن المواقف، لقد بدأ في تحقيق رقابة رقمية فعلية حقيقية، يبرز من خلال فاعليه وأدواته وسائل البحث والتحقيق والنشر، ولم يعد يترك للزمن السياسي الوقت الكافي للتدخل أو حتى قراءة ردة الفعل بهدوء وسكينة، فالزمن الرقمي كما هو سريع سرعة الزمن، يتخذ قرار النشر وينتظر النتائج.
لقد شكل عنصر إعفاء الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل بعد يومين فقط من تعييين الحكومة، نموذجا دالا على هذا التحول فقد جاء الإعفاء في أعقاب جدل واسع أثارته منصات التواصل الاجتماعي بشكل سريع، بشأن معطيات قضائية وطبية شخصية تعود إلى سنوات سابقة، هنا تبرز الأسئلة الحقيقية بعيدا عن تفاصيل القضية وحيثياتها، هل أصبح الفيسبوك سلطة رقابية موازية؟ وهل بات الرأي العام الرقمي قادرا على التأثير في القرارات السياسية؟ وهل اتخذ القرار تحت ضغط الزمن الرقمي؟ وأخيرا من يراقب الرقيب الرقمي الذي يؤثر في القرارات دون هوادة؟
بداية القصة انطلقت منذ سنوات، فقد تفاجئ العالم في السنين الأخيرة بالتطور الرهيب لأنماط التواصل وإنتاج المعلومة، بفضل التطور السريع للتكنولوجيا الرقمية وشبكات ومنصات التواصل الاجتماعي، ساهم في ذلك الكرم المتزايد في صبيب الأنترنيت العالمي، الذي أضحى يؤطر المعلومة وينشر مضامينها بسرعة فائقة وغير متحكمة فيها، والمغرب كبلد مستهلك لثقافة التواصل الرقمي لم يخرج عن هاته القاعدة الدولية، خاصة في ظل اتساع قاعدة التواصل الرقمي التي بلغت 35 مليون مستخدم للإنترنيت، وتوسع المجال العمومي الرقمي الذي بلغ 23 مليون هوية مستخدمة لشبكة التواصل الاجتماعي، كما عرف النمو المتزايد للإعلانات المحتملة بشبكات التواصل الاجتماعي والتي عرفت تطورا خلال سنة 2025 بمعدل يقدر ب 11 في المائة، كل هاته المعطيات تؤكد أن المغرب لازال يعيش على وقع تحول رقمي مؤثر على التوجهات العامة التواصلية.
لقد أسهمت هاته التحولات على إعادة صياغة سؤال مركزي عن علاقة السلطة السياسية بالفيس بوك؟ وكيف ساهمت بشكل كبير في صناعة المضامين المنفلتة أحيانا؟ وكيف ينظر المدون في صياغة رسائل سياسية قادرة فعلا على التأثير في القرار السياسي وإعادة تشكيله؟ وما حدود هذا التأثير وإكراهاته في السياق المعاصر؟
وأخيرا كيف يمكن تجاوز النظر للمنصة الرقمية باعتبارها ليس مجرد وسيلة تقنية، بل فضاء تتقاطع داخله المصالح السياسية والاجتماعية والإعلامية، وتتجلى فيه أشكال جديدة من القوة والتأثير.
لقد ارتبطت ممارسة السياسية في السردية التاريخية، بمؤسسات وفضاءات محددة، مثل البرلمان والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام التقليدية، غير أن المد الديمقراطي انفجر كثيرا وسمح لفضاءات غير مؤطرة بمناقشة قضايا ذات بعد سياسي، وانتقاد قرارات حكومية حيث أتاحت المنصات الرقمية إمكانات جديدة لتوسيع المشاركة في النقاش العام، ومنح فئات اجتماعية متعددة غير مؤطرة أحيانا، تنفر من المؤسسات السياسية التقليدية، لكن تسمح لنفسها بالتعبير وراء حاسوب دون رقيب رقمي.
لقد أبانت الممارسة السياسية أن الرأي العام الرقمي أحد أبرز المؤثرين في صناعة المواقف السياسية وأكثرهم تأثيرا ونقدا ورقابة، وأن الفاعل السياسي مدعو بحكم الواقع لتجاوز الصدمة الرقمية، خاصة أمام سرعة انتشار المعلومات والتعليقات والصور ومقاطع الفيديو التي تجعل بعض القضايا قادرة على اكتساب أهمية سياسية وإعلامية في وقت وجيز، في ظل توجهات واضحة لبعض الخوارزميات التي تشتغل بمنطق التوجيه و اللا حياد، من خلال منح قضية حضورا مبالغا في بثه، أو تهميش قضية بشكل مقصود، أو تعزيز شعور يثير الانقسام واللايقين من خلال التعامل الكريم مع بعض القضايا دون سواها ، وتزداد خطورة الموقف عندما تتداخل المصالح السياسية مع التضليل الإعلامي، أو نشر الأخبار الزائفة، أو استخدام الحسابات الوهمية لتضخيم اتجاه معين وإظهاره وكأنه يمثل موقفا شعبيا واسعا ففي هذه الحالات، يمكن أن تتحول المنصة من فضاء للمشاركة والتعبير إلى أداة للتلاعب بالإدراك العام والتأثير في الاختيارات السياسية، لهذا يجب التعامل بحذر شديد مع موجة البث المتكررة لبعض المواضيع، والاعتقاد حد اليقين أن تحليل الخطاب الرائج يحتاج لكثير من الرزانة لفهم وتحليل الخطاب، ومساءلة الخلفية التقنية والاقتصادية التي تتحكم في انتشاره، وفهم العلاقة المفترضة بين المنصة ومصالح القائمين والمستفيدين من نتائج هاته المواضيع.
لقد أبانت تراكمات التجربة أن المغرب لم يكن الحالة الفريدة المستثناة من نتائج الفيضان النقدي بالمنصات الرقمية، وأن بعض الأخبار على تنوع مصادرها ساهمت منصات الفيس بوك في التأثير في مسارها، وأن بعض توجهات الرأي العام الرقمي كان له تأثير في صناعة مضامينها، ولعل دعوة مقاطعة شركة أو منتوج بعينه، كان من نتائج قوة رسائل هاته المنصة التي ساهمت بعض الخوارزميات في التركيز في تقعيد خطاب مكرر مؤثر ساهم بشكل كبير في إعادة تكوين رأي عام موحد قادر في التأثير في القرارات الكبرى، أما على الصعيد الدولي فالأرقام أيضا تعكس من زاوية أخرى ما يمكن بأن نسميه بالنفوذ السياسي للفيسبوك، فحجم المنظومة الرقمية لميتا تقارب 3.58 مليار شخص فقط في ديسمبر 2025، أي بزيادة 7 في المائة عن سنة 2004، بالإضافة إلى ذلك أضحت نفس المنصة مصدرا دائما للأخبار في محاولة لتشكيل الرأي العام، وفي النهاية، ربما لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كان فيسبوك يمتلك سلطة التأثير في القرار السياسي، فالحياة السياسية تؤكد بمؤشرات التجاوب، بل السؤال الأعمق هو كيف تمارس هاته السلطة، وبأي ضوابط؟ فالديمقراطية لا تتحقق بمجرد أن يصبح لكل مواطن حساب على منصة رقمية، وإنما تتحقق عندما تتحول حرية التعبير إلى مشاركة مسؤولة، ويتحول التواصل إلى مساءلة، ويصبح القرار العمومي أكثر انفتاحا على المواطن.
