أهذه كفاءاتكم المتبجح بها؟ !

للخطب الملكية وقع كبير على قلوب المغاربة ومكانة خاصة في ذاكرتهم، ليس فقط لأنها تصدر في المناسبات الغالية عليهم من قبل ملك البلاد محمد السادس، ضامن دوام الدولة واستمرارها، ورمز وحدة الأمة، بل لما تحمله في طياتها من دروس وعبر بليغة وتوجيهات وجيهة. حيث أنها تضع الخطوط العريضة للسياسات العامة، وترسم للحكومات المتعاقبة خريطة الطريق الواجب اتباعها، فضلا عن المخططات التنموية والتقييمات المرحلية، واستشراف الآفاق وتحديات المستقبل…

ونستحضر هنا ما ورد في خطاب يوم 29 يوليوز 2019 بمناسبة الذكرى 20 لاعتلاء العرش، حيث أنه في إطار ما بات يسجله من تلكؤ في تنفيذ المشاريع التنموية وعدم الفعالية في الأداء الحكومي، دعا ملك البلاد محمد السادس إلى إجراء تعديل حكومي، مطالبا رئيس الحكومة سعد الدين العثماني بتقديم مقترحات لإغناء وتجديد مناصب المسؤولية الحكومية والإدارية، بشخصيات وطنية ذات قدرات عالية على أساس الكفاءة والاستحقاق، يكون بمقدورها التفاعل الناجع مع الجيل الجديد من المشاريع، ورفع تحديات المرحلة القادمة للحد من التفاوتات الصارخة وتحسين ظروف عيش المواطنين وتلبية انتظاراتهم وحاجياتهم اليومية، خاصة ما يرتبط بالخدمات العمومية الأساسية، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وخلق فرص الشغل للعاطلين…
بيد أن انعدام الانسجام بين مكونات الحكومة وافتقار العثماني إلى الحكمة وسعة الصدر، أثرا سلبا على مشاوراته مع أمناء أحزاب الائتلاف الحكومي. وهو ما أدى بالمكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية الحليف الكبير للحزب الأغلبي منذ 2012 إلى اتخاذ قرار الانسحاب النهائي من الحكومة يوم 4 أكتوبر 2019، بدعوى أن الوضع داخل الأغلبية لم يعد مطاقا، وأنه مازال مرشحا لمزيد من التفاقم في أفق عام 2021 موعد الانتخابات التشريعية، مما سيحول دون قيام الحكومة بما ينتظرها من مهام جسام على أحسن وجه.

وبعد ترقب شديد وانتظار مرير دام أزيد من شهرين، ظل خلاله المغاربة يضعون أيديهم على قلوبهم مخافة أن يخرج “الساحر” من تحت قبعته ما يرعبهم، خاصة أن العثماني يشبه سلفه ابن كيران، فهو الآخر لم يعودهم إلا على خيارات وقرارات تستفز مشاعرهم وتعمق جراحهم. وعلى بعد يومين فقط عن افتتاح دورة “الخريف” بالبرلمان، تم إنهاء مسلسل التكهنات حول المرشحين للاستغناء عنهم، بالإعلان يوم الأربعاء 9 أكتوبر 2019 عن النسخة الجديدة من الحكومة، وهي تضم 24 وزيرا فقط بمن فيهم رئيسها عوض 39 في التشكيلة القديمة، وفضلا عن تقليص عدد الوزراء والتخلص من الإثنى عشرة “شبحا” في كتابات الدولة، الذين كانوا يشكلون عبئا ثقيلا على الحكومة وميزانية الدولة. واعتمد في هيكلتها على جمع الوزارات في أقطاب كبرى. وهو ما استحسنه المغاربة، واستبشروا خيرا ب”الكفاءات” المصرح بها يحذوهم الأمل في أن تحقق ما لم يستطعه سابقوها رغم ضيق المدة الزمنية المتبقية لنهاية الولاية.
لكن استبشارهم بتلك التي قيل عنها أنها “حكومة الكفاءات” وهلل لها رئيسها كثيرا، لم يدم طويلا. إذ سرعان ما اكتشف المغاربة أنهم وقعوا مرة أخرى في “مقلب” جديد بدون كاميرا خفية، فهذا الحسن عبيابة وزير الشباب والرياضة والثقافة الناطق الرسمي باسم الحكومة، الذي يصدق عليه المثل الشعبي المغربي القائل “ما قدو فيل زادوه فيلة” عندما أضيف إليه قطاع الاتصال الذي سقط سهوا في الهيكلة الجديدة. وهو العضو البارز في المكتب السياسي لحزب الاتحاد الدستوري ذي رمز “الحصان”، الناشط الجمعوي، والكاتب والباحث وأستاذ التعليم العالي وغير ذلك من الصفات الكبيرة جدا، يفشل في أول امتحان أجري له أمام ميكروفونات وعدسات وسائل الإعلام، حين فاجأ الجميع بما بدا عليه من حالة نفسية مهزوزة وعدم انضباط ومستوى هزيل في التواصل مع الصحافيين والرد على أسئلتهم، عبر أول لقاء إعلامي يجمعه معهم في الندوة الصحفية التي عقدها مباشرة بعد نهاية الاجتماع الأسبوعي للحكومة، مما أثار حنقهم عليه…
ولم يقف الأمر عند هذا الحد الذي لن نجد له ما يبرره مهما حاولنا أن نكون رحماء بسيادة الوزير، حيث أنه عاد ثانية وفي مدة وجيزة ليخلق الحدث بالبرلمان أمام نواب الأمة وعدد كبير من المشاهدين الذين دأبوا على التفرج أسبوعيا في جلسات الأسئلة الشفوية بمجلسي النواب والمستشارين. حيث أنه وجد نفسه في موقف حرج، إثر تعرضه للارتباك في جلسة 21 أكتوبر 2019 أثناء رده على سؤال حول دور الشباب بجواب كان مخصصا للجواب على سؤال آخر مرتبط بإغلاق الملاعب الرياضية، وهو ما أشعل موجة من السخرية داخل الجلسة وخارجها. وكان العذر أقبح من الزلة حين أراد تبرير “لخبطته” بعدم توصله بالسؤال من قبل فريق عمله، مدعيا الاتفاق مع واضعه على تأجيله، إلا أن رئيس الجلسة أكد على ورود السؤال ضمن جدول الأعمال، كما تدخل أحد النواب لينبهه إلى أن عقد اتفاق بين برلماني ووزير على تأجيل الأسئلة، يعد خرقا للنظام الداخلي…
إننا إذ نأمل في أن يكون ما تعرض له الوزير عبيابة مجرد كبوة “حصان” عرضية، وأن تكون زميلاته وزملاؤه الجدد في مستوى الثقة الملكية وجسامة المسؤولية، وأن يقوموا بما يمليه عليهم الواجب الوطني من جليل الأعمال في رفع تحديات المرحلة القادمة وخدمة الصالح العام، فإننا نهمس في أذن رئيس الحكومة بمراجعة أوراقه والحرص على تجاوز الأخطاء والهفوات التي ما انفكت تلاحقه…
اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*