من الأدب النسائي المغربي… طوق الحلم والألم

بقلم: أسماء المقدم
من سيدي قاسم

تراقب أمها التي اشتعل رأسها شيبا وأوغرت عينيها وانكمش جلد جفنيها وصارت التجاعيد جلية بوجهها ، وهي ترتب غرفتها التي ملات الفوضى كل ركن فيها …سمعت صوت من النافذة استرعى فضولها….كان لطفل يلهو مع اصدقائه على الرصيف …
تحمل اشياء ابنتها بعناية وتعيد كل شيء الى مكانه …..الوان اثات الغرفة داكن ستائرها ذات طرازها تقليدي و بساطها ازرق سريرها من خشب بالقرب منه مكتب صغير عليه عدة كتب ومعاجم للغات و مصحف الى جانبه مزهرية بها رش لطائر الطاوس ، وامامه علبة خشبية نقش عليها اسمها …وبالوسط منه وضعت بعض الاوراق البيضاء فوقها فواتر للماء والكهرباء وصورة عائلية ترجع الى سنة 1987… خزانتها صغيرة تحتوية على درجين اليمين به قفل واليسار كسر قفله …
سحبت حقيبتها ونزلت من المنزل شاردة الذهن
صار حالها كذلك منذ ان انصرم كل شيء كان يجمع بينهما … من يعبأ بسعادتها غضبها ضجرها فرحها …..هي مسافرة بلا حقائب وسيلتها ريح تحمل غبار احداث قاتلة للرغبة الاقدام على الحياة …انعدمت الحياة في نفسيتها… اين الاحساس بالمشاعر الاجابية الامل بغد افضل…?
ما كل هذا الوهن والضجر …?
كم كتمت وكم عليها ان تستمر في كتمان حسرتها شدة قهرها …؟
الكون والكائن من حولها ميت الألوان …تراوغها أفكار تستدرج ذاكرتها لخوض معركة ضروس لنسيان ما مضى والبدا من جديد الأمنيات سقطت صريعة أمام ما حدث … لم يعد حلم اليقظة يداعب مخيلتها الحلم الوردي الذي طالما طمحت ان تجسدها في حياتها معه…. ترى هل يعيد التاريخ نفسه ….
ما الذي كان يشكله الماضي في حياتنا كتلة من المثل العليا المتشابكة جدا…الجد الكبير لأفكارنا أمنياتنا وأحلامنا ، جد مهيب نحترمه نأخذ منه العبرة فهو الجدير بالاحترام لأنه يعلمنا من تاريخه ، هو حكمة الأسلاف الأزلية …
بعد يوم طويل متعب عادت الى المنزل تجر جسدها المثقل بالتعب سيناريو يعيد أحداثه كل يوم على الطريق.. ترغب أن تقول بأعلى صوتها …تعبت…. وتجز بالحذاء الذي يسجن قدميها طوال اليوم بعيدا وتمشي حافية القدمين بل وتجري كي تصل الى المنزل بسرعة وتتخلص من كل ما يتعبها ….ترمي بحقيبتها الثقيلة لتسقط منها كل تلك الأوراق والكتب التي صار حملها نفسيا بالنسبة لها …نيران تأججت فيزداد سعير لهيبها وتحرق صدرها وقلبها…
ما الذي سيخبأ نيرانها ….?
انتظرت تعاقب الأيام ….ام ينبغي عليها ان تحترق داخليا بهذه الشدة لكي تستطيع الاستمرار في الحياة …. ?
صوت رغبة خفية يناديها من داخليها متلهف للاحتراق والحرق …..
“نيرون” يدعوها من روما الى حفل احتراق بمناسبة خيبتها وحسرتها …هذا الصوت الذي أجج بها شغف شم روائح الحرائق وتعطر بدخانه والاستشفاء برماده …
أعندما يصير الفكر غير قادر على استيعاب واقعه يفر إلى الجنون …. الثورة على المعتاد الحياد عن المعقول إلى اللامعقول , أينبغي أن تظل النيران مضرمة ليوم فقط أم لأكثر…
ساقتها أرجلها إلى بيت ” نوال ” جارتهم، طرقت الباب وهي تحاول تغييب نتائج صنعها المستقبل….. وركزت على باب بيت ” نوال “…..ذو الطراز التقليدي و الزليج الجديد المحادي له ..
سألت لالة “رحمة” من خلف الباب عن الطارق
فأجابت أنا “خديجة “.
فتحت الباب “نوال ” وعانقتها، استقبلتها بحفاوة وساقتها الى غرفة الضيوف وهي تحثها على البقاء معها لوقت طويل… ترفع يديها المخضبة بالحناء وتحركها كلما تكلمت وبهاء لون الحناء وجمال الخاتم الذي أهداه إياها زوجها “مراد ” ………………..زاد يد ” نوال ” رونقة وجمالا .
هنأتها “خديجة ” واسترسلت “نوال” تخبرها عن استعدادها لعرسها وكيف أنها افلتت من قيود الخوف …..طلبت “خديجة” منها أن تسدي لها جميلا …. بأن تصحبها الى فرن “مراد ” بعد أن ينهي عمله به… ولم تسالها ” نوال”عن مرماها من الأمر…
………حملت الحقيبة دون أن يشعر بها أحد من افراد عائلتها وشقت طريقها في تلك الازقة الضيقة تمشي على نار تلفح قدميها وأخرى يزداد سعيرها كلما تقدمت خطواتها نحو الفرن…. وجدت “نوال ” أمام باب الفرن دخلت الى الفرن بسرعة وخلسة من المارة ……أخبرتها أنها تريد أن تحرق ما بداخل الحقيبة، أخذت تسحب أحلامها وأمنياتها… قفطان عرسها وحاجيات ليلة الحناء ….وكل ما يمكن أن يجعل المرأة أبهى وأجمل في تلك الفترة الذهبية من عمرها… أول ما جزت به إلى النار الورود الحمراء اليابسة والصور ثم العلبة الخشبية…. أفرغت كل ما بها ورمته الى النار… ولما أحرقت مدينتها الفاضلة…. التي بنتها بيديها منذ أن مات أبوها و فارقت الأقدار بينهما …لكي تفند انه منطق واهي … تشاهد أحلامها عن كتب تحترق عمرها الهارب الذي سعت جاهدة آن تمسك بزمامه لكنه أفلت… لم تتمكن من ضبط نفسها انهارت تبكي …..و” نوال ” تآزرها وتواسيها حتى اللهب أعانها وبعجالة على التهام كل ما رمت به بجنون وهي تشم رائحة أحلامها المحترقة أن تختنق بروائحها بعد أن كان من المفروض أن تزيد من انتعاشة صدرها ويحترق الأمل الذي صارع الموت بين يديها …عزفت بأوتار الدمع وأهات صدر يضيق ….امام ذلك المشهد التراجيدي ….
فتحت باب نافذتها باكرا ذلك الصباح بعد ليلة من الاحتراق ….والحرق
تتطلع الى المارة راعها منظر عجوز تمسك بساعد طفلة صغيرة تلبس ثيابا رثة ….شعرها أشقر غير مصفف نحيفة الجسم، تتوسل بها بين دكان بقال ومتجر حلويات…. والطفلة تهشم بأسنانها الصغيرتين خبزا حافيا …. اقترب منها متسول طويل القامة يحاول أن يتودد إليها.. لفت انتباه الطفلة التي تقضم بعينيها قطعة الحلوى التي بين يدي طفلة تعينها أمها للصعود على متن النقل المدرسي الخاص…..
عزمت في ذلك اليوم خديجة أن تقتني كتبا…. كثيرة …شراء كل هذه الكتب لما…… ?
لتزداد ثقافتها …وتكون من أصحاب الثقافة الشفهية ….أو لكي تكون لديها الحجة عند الحوار …..
ستقرأ الجريمة والعقاب لتتنبأ عن جريمتها وترى هل ستستحق منه كل هذا العقاب?
وتحلل الشخصيات الإجرامية في مؤلفات ” اجاثا كريستي “…. لترى هل بها سمة من سمات شخصياتها الإجرامية …..ما هذا النهم في شراء الكتب واغلبها للنساء ….?
ماذا تريد ان تأخذ من شجرة الذر…..?
ومن “هيباتيا ” الفيلسوفة والعالمة التي وهبت حياتها للعلم وماتت بسبب إصرارها على مبادئها ومعتقداتها …
………. ومنك يا” بلقيس” حكمتك ورجاحة عقلك ومن تلك القصائد الرومنسية…. هل تقرأها كما قرأها الآخرون ويبقى عالقا بدهنها ذكر…..الغزل فقط ? وأين معاني الإنسانية والوطن التي بها…. تقرأ و ماغايتها ؟ اغتيال الوقت بالقراءة وتغيبب ذاكرة الماضي …..
وهل تستطيع حذف نبذة من تلك الأحداث من سيرتها ?
وإذا حاولت الفرار من ذاكرتها الفكرية فماذا ستقول لها يا “احلام” عن ذاكرة الجسد التي نحت جرحها على جسد ” خالد ” … هل هي حفيدة الملك الاشوري ” اشبهانيبال “….
متئكا على عصاه ….يرتدي جلبابا أسودا تتخلله بعض الخيوط البيضاء ….يحمل في يده حقيبة صغيرة وسلة…. وجهه مستدير، طويل القامة، نحيف، أشقر الشعر، عينيه صغيرتان بنيتان، حاجباه عريضان، ساقه الأيسر مقطوعة …..
وضع يده على “الحسين ” قبل أن يستقل الحافلة وقد نظر إليه وابتسم …كان الركاب في ذلك اليوم كثر…والمحطة تعج بالمسافرين ……المتشردون المتسولون الباعة المشتغلون بالمحطة الكل بالنهار يسعى جاهدا من أجل قوت يومه من الجنسين ….
وجوه ترى بها تداول الأيام، الفرح والحزن، السقم والاحباط، خيبة الأمل والملل والضياع …يتقاسمون أفراحهم وألامهم وأمنياتهم كما خبراتهم …..إلى أن يصل كل واحد منهم إلى وجهته…هي الآنية كالقصة القصيرة…….فالحياة تسير بنا في طريق أخره القبر …منهم من متاعه أثقله ومنهم من متاعبه أثقلته، ومنهم من يطوق الى تقاسم المسرات مع من يحب ويطوق شوقا الى أحبابه ……
كلما توقفت الحافلة في محطات المدن والأقاليم التي ستمر عليها يحاول أن يقف ويكاد أن يسقط، يكابر ألم فقد ساقه…كانت أمه في المقعد الذي على يمين “الحسين” ….تتأمل ابنها ذو الساق الواحدة في صمت وكأنها انجبته منذ برهة …بلهفة بشوق تتأمل ضعفه الذي يجعلها تمطر حنانا عليه ..أن تلبث إلى جواره ولا تفارقه أن تلبي كل ما يريده وأن تتحمل منه ما يجعل الناس يفرون من حوله …ويتضايقون منه …
تعبر الحافلة محطة تلو الأخرى فيختفي الزي واللهجة، مسقط رأسه حيث الهندسة المعمارية الامازيغية والنقوش الصخرية داخل ”اميرة الاطلس ” لا يرى في طريقه الا الملابس العصرية …النظام في المواقيت…. المباني….المحلات ….امتعة المسافرين …الأشخاص مختلفي الثقافات والجنسيات واللغات …الصحف والمجلات الكتب على اختلاف أنواعها في أيدي الركاب والمنتظرين بمقاهي المحطات …القائم والجالس، المغادر والراكض خلف الحافلات…
غلب النوم والتعب على” رضوان ” …فطلبت أمه من “الحسين ” أن يغطي أرجله …اخبرته أن ابنها لم يعتد بعد على ساقه المبثورة …لم يفقدها في حادثة او مرض لكن في شجار مع رفقائه الذين هشموها من الضرب وحبسوه حتى استدعت حالته الصحية بثرها …..
كيف يمكن للإنسان أن يؤذي أخاه الإنسان …?هل طبيعة الإنسان هي الخير أم الشر…?
هل تحليل شخصية الإنسان اثبتت انه ميال للشر أكثر منه للخير ….?
هل سلوكاته على صفحة حياته هي ما يحدد شخصيته ….?
آم أن صراع الخير والشر داخله هو مايحدد شخصيته …. ؟
وانحيازه لأحد الخصمين أكثر …
لم يرد في تلك الإثناء سوى أن يفر بسلام من المدينة التي ظلم بها …واختار الاستقرار بها …..كلما نظر إلى الخلف وأدرك أن المسافات تتباعد بينه وبينها… زادت حسرته …..
اعتاد أن يعمل ويدرس بعيدا عنها على خلاف أخيه ‘احمد’ الذي كان يهوى العيش بالبادية ….فشوقه وطوقه إليها ظل مصاحبا له أثناء دراسته وعمله وإعالة عائلته، فالمنطقة التي يقطنون بها تعاني من وطأت الجفاف … هذه السنة كانت أكثر من السنين الفارطة، هرب من مخاوفه وما تعرض له من ظلم في بيت عائلته قبل اكادير…التي اختارها للعمل إلى حافلة لا يدري أين ستتوقف به….تعبر الهواء والأرض وتبعد وتبتعد نسائم المنطقة والوجوه المبتسمة واللهجة الغالية ورائحة التراب…طبيعة المنطقة الخلابة بصورها الجميلة وابتسامتها الشارحة للصدر ورائحة الورد في ثيابها والقرنفل وطعم الخبز والأكل الطيب والبيت المزهر بحضور امرأة يمكن ان تبوح فيها شعرا وخديها الحمراء ووجهها البشوش ذو الوشم الأخضر بين عينيها ولباسها المحتشم ، تلك المرأة التي إذا مست أي شيء في محيطه أصبح جميلا …لم يودعها عندما عزم على الرحيل ولم يستطع أن يرى دموع الوداع وحسرة الفراق في مآقيها … أحن حضن عليه كان يناديها أمي الغالية ….هل الأم وطن يعيش بداخلنا لا نستطيع مقاومة فقدانه ولوعة غربته …. الإنسانية جمعاء والكتب السماوية رفعت من شأن هذا المخلوق التي تندهش أمامها، عطاءها، حبها،حنانها، تضحياتها ولوعة عاطفتها…..
نزل الى مدينة اكادير لكنه لم يلبث فيها الا قليلا مما هو فار? الوجل والهم …..؟؟؟
ودع تلك الأرض وقف على صخرة “نابليون ” كما ينعتها أهل المنطقة يرتقب موعد الغروب الرائع في هذا المكان الذي كان يخلو فيه مع نفسه، حيث سيفتقده هو وتافورات الجميلة التي تقع في الجنوب الغربي للمغرب على أطراف جبال الأطلس الصغير التي تعتبر من أروع المناطق الطبيعية، حجارتها من الغرانيت الوردي ومعالمها الجيولوجية جد خلابة، تافراوت بالاعتقاد الامازيغية هي شعبة الماء التي تمرر الماء ….سيشتاق الى الهدوء الطبيعي الجبلي وأشجار الزيتون والنخيل وأشجار اركان واللوز والخروب وحقول الشعير والقصبات الطينية بالالواح والصخور العملاقة التي قرر الرسام البلجيكي” جون فيرمان ” أن يصبغها بألوان زادتها بهجة أكرام لشريكة …
على وجل ليس كباقي الأيام ….كان يتلهف الى موعد الغروب والعودة الى حضن العائلة والتزود بالحنان وعطف أبويه وإخوته…والاستمتاع بلذة طعام أمه لتخفيف من وطأت التعب …هو الآن يودع الغروب بذلك المكان الى اجل لايعلمه إلا الله …….ما بال الحنين إلى تلك الأرض الذي يزوره كل ليلة….ما الذي جعل الرحيل صعب والجفاف وضيق ذات اليد والمشاكل …..تافراوت ..الهوية والكيان …هو الإنسان على مر العصور عاشق لموطنه ….
استوقف ذلك الحنين العجيب ما حدث لسيد الخلق عليه الصلاة والسلام عندما هاجر من مكة المكرمة الى المدينة المنورة ….وما قاله عليه الصلاة والسلام
(عن عبد الله بن عدي ابن الحمراء انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف بالحزيرة في سوق مكة والله انك لخير ارض الله وأحب ارض الله إلى الله ولولا إني أخرجت منك ما خرجت )
وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة ما اطيبك من بلد واحبك الي ولول ان قومي اخرجوني منك ما سكنت غيرك …

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*