رسالة في حكومة جعلوا الوعد صناعة
بقلم: عبدالهادي بريويك
أما بعد،
فإني نظرت في أمر قوم تقلدوا تدبير شؤون الناس، فوجدتهم قد أتقنوا من الأعمال ما لا يحتاج إلى عمل، وأجادوا من الصناعات ما لا ينتج إلا الكلام.
وكان من عجيب أمرهم أنهم كلما ضاقت معيشة الناس اتسعت بياناتهم، وكلما ارتفعت الأسعار انخفضت نبرات يقينهم، ثم خرجوا إلى الرعية يخبرونها أن ما تراه بعينها ليس كما تراه، وأن ما تجده في جيبها ليس كما تجده.
وزعموا أن الغلاء رخاء لم يفهم على وجهه، وأن البطالة فرصة لم تكتمل شروطها، وأن الشكوى دليل على قلة الصبر لا على كثرة الأسباب.
ثم رأيت حولهم طائفة من أهل “الفراقشية”، قد عرفوا من أين تؤكل الكتف ومن أين تؤكل القبيلة بأسرها.
فلا هم زرعوا حقلا، ولا شيدوا مصنعا، ولا أوجدوا علما، ولكنهم كانوا إذا تحرك المنتج تعلقوا به، وإذا ظهرت فرصة سبقوا إليها، وإذا احتاج الناس إلى شيء صاروا هم الطريق إليه والعقبة دونه.
فإن ربح التاجر قالوا: نحن شركاؤه.
وإن خسر قالوا: لا نعرفه. وإن ارتفع السعر عدوا ذلك من بشائر السوق. وإن سألهم الناس عن سبب الارتفاع قالوا: هذه حكمة الاقتصاد التي لا يفهمها إلا الخواص.
وكان الوزراء في هذا الباب كأطباء يصفون الدواء للمريض ثم يشربونه هم، ويأمرون بالجوع وهم إلى الموائد أقرب، ويعظون بالتقشف وقد جعلوا بين أيديهم من النعيم ما يكفي لتعليم الزهد أجيالا كاملة.
وحدث أن الرعية سألت: أين الوعود التي سمعناها؟
فقيل لها: لقد تحققت، ولكن في مكان آخر.
قالوا: وأين ذلك المكان؟
فقيل: في الخطب والتصريحات والتقارير المزخرفة.
فعجبت الرعية من قوم استطاعوا أن يبنوا أوطانا كاملة من الكلمات، ثم عجزوا عن إصلاح حفرة في طريق.
واعلم أن الدولة لا يضعفها فقر المال كما يضعفها فقر التدبير، ولا يهدمها صوت الناقد كما يهدمها رضى المسؤول عن نفسه.
فإذا صار كل مسؤول يمدح عمله قبل أن يراه الناس، ويحتفل بإنجازه قبل أن ينجزه، فاعلم أن الأرقام قد سمنت وأن الأحوال قد هزلت.
ولعمري، ما خاف الناس من قلة الوعود قط، ولكنهم خافوا من كثرتها؛ لأن الوعد إذا كثر حتى فاض عن الحاجة، صار كالنقود المزورة: يملأ الأيدي ولا يشتري شيئا.
