نقاش سياسي في العمق لتشكيل حكومة وحدة وطنية في بداية التسعينات

عبد الحي بنيس: رئيس المركز المغربي لحفظ ذاكرة البرلمان

يختزن التاريخ السياسي المغربي، لحظات ووقائع، تشكل ذاكرة لا يمكن القفز عنها من أجل فهم أكبر للتحولات التي يعرفها الزمن الراهن، منها المتغيرات الكبرى التي طرأت جراء المحاولتين الانقلابيتين الفاشلتين الأولى سنة 1971 والثانية سنة 1972 والتى دعا في أعقابها الراحل الحسن الثاني، مختلف الهيئات السياسية إلى المشاركة في حكومة وحدة وطنية عبر رسالة وجهها إلى قادة الأحزاب.
وعبر الحسن الثاني في رسالة وجهها في 23 شتنبر 1972 إلى رؤساء الأحزاب السياسية بالخصوص عن رغبته الأكيدة في أن تتظافر جميع العناصر الوطنية الحية المتحلية بمزايا الإرادة الحسنة والكفاية والاقتدار والتجرد والنزاهة، المدركة لواقع المملكة، والنافذة بحكم التجربة المكتسبة والمعرفة الشاملة بمختلف الشؤون، إلى صميم حاجات البلاد ومتطلباتها موضحا أن هذه الرغبة تتجسم في أن تتوافر “الأداة الحكومية المعبرة عن اجتماع الكلمة”، الكفيلة بإسهام الهيات السياسية في الجهاز التنفيذى.
ويتضح بجلاء، النقاش السياسي العميق لمحاولة تشكيل حكومة وحدة وطنية في بداية التسعينات والمستوى الرفيع الذى تعاملت به النخبة السياسية خلال تلك المرحلة، مع موضوع الدعوة الملكية لمساهمتها في تدبير الشأن الحكومى للخروج من الأزمة التي كانت تعرفها البلاد، وإزالة مسببات التوتر الذى كان سائدا منذ إعلان حالة الاستثناء سنة 1965 إلى بداية السبعينات.
وجوابا على العرض الملكي، عبرت الأحزاب في مذكرات جوابية عن وجهات نظرها، ومنها حزب الاستقلال الذى وصف في مذكرته الموقعة باسم علال الفاسي، الظروف التي تعيش فيها البلاد بأنها من أخطر الظروف التي واجهها الشعب المغربي في تاريخه الحديث.
وأوضح أن هذه الظروف “لا تمس أسلوب الحكم، ولا ممارسة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية فقط، ولكنها تمس مستقبل المغرب واستقلاله” معتبرا أن إنقاذ البلاد والتخطيط لبناء مستقبلها، “لن تقوم به إلا حكومة وطنية نابعة من الشعب، محرزة على ثقته، قادرة على تحمل المسؤوليات في الظروف الحرجة التي تجتازها البلاد”.
وأكد علال الفاسى على “أن تكون حكومة وطنية منسجمة، محرزة على ثقة الشعب، متمتعة بجميع السلط، قادرة على تحمل المسؤولية، يشكلها وزير أول يعينه الملك، يحظى بثقة المواطنين، ويختار وزراءه من الذين برهنوا دائما على ثباتهم ونزاهتهم وإخلاصهم لبلادهم” على أساس أن تعمل هذه الحكومة، على إرجاع الثقة إلى النفوس، فتضمن الاحترام الكامل لحقوق الانسان وتحقق الحريات العامة والخاصة لسائر المواطنين، وإقرار ديمقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية، تمكن الشعب من ممارسة سيادته عبر سلطة منبثقة مباشرة منه.
ومن جهته يرى عبد الرحيم بوعبيد عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أن “أية حكومة كيفما كانت مزايا الأشخاص الذين سيشكلونها، لا تستطيع بذاتها أن تأتي بالمعجزات” موضحا أن “نظاما يقوم على الديمقراطية السياسية الحقة، ولو في بلد متخلف، هو الضمان الوحيد لبناء ديمقراطية اقتصادية واجتماعية، تجعل الشعب، يستعيد الثقة ويقبل على المستقبل”.
وتقترح المذكرة “انتخاب مجلس وطني تأسيسي وتشريعي بالاقتراع العام المباشر، يضطلع بمهمتين، ذات طابع دستوري وتشريع عادية، مع تطهير الجو السياسي بإصدار نصوص تشريعية، تقرر العفو العام، يشمل الجميع بدون استثناء وإلغاء النصوص التشريعية و التنظيمية التي تحد من ممارسة الحريات العامة والخاصة، والغاء كل القرارات الإدارية التي تقيد وتقمع حرية التعبير والظهائر والقرارات القمعية التي أصدرت أيام الحماية وبقي العمل جاريا بها.
وربط بوعبيد مساهمة الحزب في أي جهاز تنفيذى، بتكوين حكومة تتمتع بالثقة الشعبية لمدة معينة وبمهام محددة، منها السهر على نزاهة انتخابات المجلس الوطني، ووضع قانون انتخابي يعكس الإرادة الوطنية، وأن تعكس الحكومة الإرادة الحقيقية للبلاد وأن تنبثق عن الانتخابات الجماعية والوطنية.
ومن جهتها عبرت الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية عبر أمينها العام عبد الكريم الخطيب عن مباركتها “لكل مبادرة هادفة إلى إرجاع الثقة إلى النفوس في إشراك جميع العناصر الحية المعروفة بوطنيتها ونزاهتها وكفايتها وتجربتها وإخلاصها”.
وبعدما أكد أن أي جهاز حكومي، هو وسيلة وأداة للعمل يجب أن يحيط به جو ملائم صالح، قال:
“أن التغييريتمثل في حكومة مسؤولة وانتخابات نزيهة تقر حكما ديمقراطيا سليما، سيمكن من وضع برنامج عملي للقضاء على أسباب الفساد وخلق جهاز حكوميا مسؤولا له نفوذ وسلطة يستطيع بهما ممارسة الحكم وإدارة البلاد، في إطار دستور تراعى فصوله وتعديله، تقوية الحكم الديمقراطي وإعطاء السلطة التنفيذية للحكومة المنبثقة من الأغلبية البرلمانية”.
ومن جانبه اعتبر حزب الدستور الديمقراطي في جوابه الموقع باسم محمد بن الحسن الوزانى “أن المغرب في أشد الحاجة إلى تجديد وتصحيح أداة الحكم فيه، لأن الأسلوب التقليدي في الحكم الذي جرب منذ الاستقلال “قد مني بالخيبة والفشل، وأدى إلى تأزم الوضع بشكل لا يطاق”. واقترح في هذا الصدد “عملية جراحية كبرى، تقلع الداء العضال من جذوره فتطيح بأوضاع الفساد الداخلي على يد قيادة صالحة تتولى مقاليد الحكم لصالح الشعب”.
ويرى، أنه بالخروج من أسلوب الحكم التقليدي العقيم “يبدأ الإصلاح، بأن ينادي على شخصية سياسية وطنية تتوفر فيها المزايا والقيم التي تجعلها جديرة بالثقة والاعتبار والتأييد من الرأي العام الوطني” وكذلك ” جديرة بما يسند لها من مهام ومسؤوليات في العهد الجديد، وأن تتوفر للحكومة السلط، والوسائل المعهودة في كل حكم ديمقراطي دستوري سليم، لمواجهة الوضع المتأزم”.
أما حزب التحرر والاشتراكية، فاعتبر أمينه العام علي يعتة أن “وضع حد للتقهقر، ممكنا في أقرب الآجال، شريطة انتهاج سلوك جديد وجرئ، مطابق لمصالح البلاد العليا، ولمصالح الطبقات الكادحة، وفتح الطريق نحو نظام ديمقراطي حقيقي ومتقدم مع وضع برنامج بكيفية دقيقة ومتكاملة، يتضمن المطالب الوطنية والشعبية الملحة، ويدخل التغييرات الهيكلية التي تتطلبها الوضعية، مع اعطاء الأولوية لتحرير الصحراء المغربية وللإصلاحات.
واقترح أيضا دستور، تتولاه جمعية وطنية ذات سيادة، منتخبة بالاقتراع العام المباشر، ليكون عن حق دستور الشعب وتتمتع البلاد بنظام برلماني، يحترم التقاليد الوطنية السليمة معربا عن الاستعداد “لتحمل قسطا من المسؤولية، لتنفيذ برنامج المشترك لإنقاذ البلاد”.
عبد الحي بنيس: رئيس المركز المغربي لحفظ ذاكرة البرلمان

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*