من فرانز فانون إلى إدوارد سعيد

من فرانز فانون إلى إدوارد سعيد
– Sonia Dayan-Herzbrun
– Université Paris Diderot-Paris 7

ترجمة وعرض : عبد الكريم وشاشا

أعمال فرانز فانون لا تزال تحظى باهتمام كبير بفضل تعدد قراءتها وإعادة قراءتها، قراءات متباينة تساعد في الكشف عن مخزونه وثرائه، قرأنا فرانز فانون لمدة طويلة ومازلنا نقرأه، لاسيما “معذبو الأرض” وعلى ضوء المقدمة التي كتبها جون بول سارتر، بناء على طلب فانون نفسه بعد لقاء ومناقشات مكثفة بين الرجلين في ربيع عام 1961 بروما.

نُشر الفصل الأول من معذبو الأرض الذي يحمل عنوان «العنف” منفصلا في مجلة “الأزمنة الحديثة” التي يديرها سارتر، كأنه هو جوهر الكتاب، ومنذ ذلك الحين تعددت قراءات أعمال فانون وخاصة لهذا الكتاب الصعب والمعقد…

في الصفحات التالية أريد أن أركز على قراءة إدوارد سعيد لنصوص فرانز فانون طيلة مساره الفكري، انطلاقا من تداعيات حرب 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وضم الجزء الشرقي من القدس. وسوف يمزج إدوارد سعيد بشكل وثيق بين النظرية والعمل السياسي.

قراءة إدوارد سعيد مثيرة للاهتمام، ففانون وكذلك سعيد تم تهميشهما بشكل كبير في الحقل الجامعي والثقافي، وكل منهما يشكل عرضا من أعراض البقعة أو النقطة العمياء داخل الفكر السائد (النقطة العمياء هي حجب في مجال الرؤية، وهناك نقطة عمياء طبيعية تعرف باسم النقطة العمياء الفسيولوجية، وهي نقطة تخلو من أي مستقبلات الضوء، وتقع هذه النقطة على الشبكية في القرص البصري حيث يمر العصب البصري) ..

إن الأمر لا يتعلق فقط بفجوات في التاريخ الاستعماري الذي بدأ يتطور في الحين. فالنظرة التي يحملها فرانز فانون للاستعمار الفرنسي في الجزائر صعب تحملها في بلد يدعي أنه “موطن حقوق الإنسان والقيم العالمية” وتسليط الضوء على العنصرية سنوات 1950. إن ما لا يزال يبدو من الصعب الاعتراف به هو أن الهيمنة الاستعمارية يمكن أن تتعلق أيضا بالمجالات الذهنية والإنتاج الخيالي وبناء الذاتيات (des subjectivités). فخلال صدور الترجمة لكتاب الاستشراق سنة 1980 تم ضرب طوق حوله، بحيث لا يمكن لك أن تعثر على نسخة منه، واستغرق الأمر خمسة وعشرين عاما ليتم إصدار جديد للكتاب، وأثناءها توفي إدوارد سعيد، وكانت شهرته عالمية لدرجة أنه كان من المستحيل الاستمرار كأن هذا العمل غير موجود.

يمكن لنا بسذاجة أن نندهش أمام هذا الاستقبال الحافل لكتاب يعتمد شيئا ما على بعض المفاهيم المركزية في فلسفة ميشيل فوكو، ومع ذلك فسعيد، اتخذ بالفعل في تلك المرحلة مسافة مع نظرية فوكو، والاتكاء على منظرين آخرين، وعلى رأسهم فرانز فانون. إن الأهمية التي يوليها لفانون في الواقع كانت في وقت سابق مع كتابه الأول المهم “البدايات” الذي سبق “الاستشراق” حول النظرية الأدبية وكان سعيد قد وضع فرانز فانون في مصاف فرويد وأرويل وليفي ستراوش وفوكو.. أولئك الذين ساهموا في “إنتاج لغة ذهنية مشتركة”.

الخطاب والخطاب المضاد: فانون وما بعد فوكو

في المستوى الأول يمكن قراءة صفحات معينة لفانون على ضوء ميشيل فوكو. مقتبسا ومستشهدا باستفاضة صفحات من “معذبو الأرض” حيث مدينة المستعمر تتعارض مع مدينة المعمر، يقرأ سعيد “خطاب” الاستعمار الذي يدرج علاقة القوة. حيث المواجهة بين النص والقول، وبين النص والعالم، لا تقدم أي معنى” لكن مسار فوكو اتبع طريقا متعارضا تماما مع مسار فانون. على الرغم من أن مراكز اهتماماته الأولى كان هو (الملجأ والمستشفى والسجن) لكنه سرعان ما اقتنع بأنه لا يمكن مقاومة ذلك. وقد رافق هذا الهدوء أو اطمئنان الروح (quiétisme) مع ما رآه سعيد من تكلف وتصنع عندما التقى به أي فوكو لأول مرة؛

ففي مقال نشرته صحيفة الأهرام المصرية في أبريل 2000 حكى سعيد بروح الدعابة لقاءه مع فوكو ومع جان بول سارتر، في مارس 1979، وكان قد دُعي لحضور ندوة حول السلام في الشرق الأوسط التي كان من المقرر عقدها في شقة ميشيل فوكو، وكان سارتر تحت تأثير (Benny Levy) الملقب ب (Pierre Victor) غير قادر على أي تحليل نقدي للسياسة الإسرائيلية. وينطبق الشيء نفسه على ميشيل فوكو الذي روى بحماس رحلته إلى إيران حيث كان المبعوث الخاص للصحيفة الإيطالية (Corriere della Serra)، أما سيمون دو بوفوار فقد كانت هي أيضا حاضرة تتحدث عن الأيام التي قضتها في طهران برفقة (Kate Millet) من أجل الإعداد للتظاهر ضد التشادور، وبغبائها المتضخم، يقول إدوارد سعيد، ورغم رغبتي لخوض الحديث معها في ذلك، إلا أنني رأيت أنها واثقة وممتلئة بنفسها ولا يمكن لأي شخص الوصول إليها لمناقشتها في تلك اللحظة.

بالنسبة لإدوارد سعيد الذي لم يتوقف عن إيجاد أوجه الشبه بين الاستعمار الفرنسي للجزائر والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، فعدم القدرة على عولمة نقد الاستعمار الآتية من عند فوكو وخاصة سارتر هي مثبطة ومروعة ومخيبة للآمال؛ فخارج هذه المركزية الأوروبية، لا يتصور فوكو إمكانية للجماعات المضطهدة أن تحرر نفسها.. عكس فانون الذي هو قادر على تشخيص طبيعة الاضطهاد وفي نفس الوقت على الاهتمام بالوسائل والطرق لإنهائه. وما يميز أيضا فانون عن فوكو هو تضامنه مع طبقة ناشئة، مع حركة ناشئة ليس فقط في ممارستها وفعلها النضالي داخل جبهة التحرير الوطني الجزائري، ولكن أيضا وقبل كل شيء كمنظر. وبهذا المعنى، لا يوجد أي شيء مشترك بين مسار والنهج الذي خطه فانون، وبين تلك “السياحة” السياسية المكثفة…

ففي هذا المستوى يكمن عمق انتماء إدوارد سعيد في علاقته بفرانز فانون، لذا لم يجد عند فوكو غير الأدوات المفاهيمية والمنهجية التي يوظفها عندما تبدو له ملائمة ومفيدة له….. ومع ذلك ف”معذبو الأرض” هو الكتاب الذي يعود إليه دائما سعيد، فمثلما هو عاش ك”شرقي” وكمواطن في الولايات المتحدة الأمريكية، يرى أيضا في فانون هذا الوجه المزدوج في سياق بالتأكيد هو مختلف جدا (…) ففي إستراتيجية على غرار تلك الذي قام ميشيل فوكو بدراستها في (المراقبة والعقاب) يجبر المستعمر المستعمَر على استخدام لغته هو وليس لغة الآخر، إن كان إتقان لغة المستعمرين علامة تمييز للبورجوازية المحلية، فيمكن استثمار هذه اللغة للانقلاب في أول فرصة ضد أولئك الذين فرضوها.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*