اللعب مع الكبار… كلنا أشرار!!!

بقلم:سذي علي ماءالعينين ،أكادير ،أبريل ،2020
مقال:(42) ،2020
( كل التحليلات الواردة في هذا المقال هي فقط من باب التأويلات التي تحتمل الصواب والخطأ، وليس فيها بأي حال من الأحوال إتهامات لأي جهة بالتواطئ او الكيد او سوء النية في الأفعال والأقوال، لذلك وجب التنبيه).

يوم الثالث من مارس، كان المغاربة عبر شبكات التواصل الإجتماعي على غير عادتهم كل سنة غير آبهين بتاريخ الإحتفال بعيد العرش زمن الحسن الثاني وما ارتبط به من طقوس محفورة في ذاكرة كثير من المغاربة يعبرون عنها بنوستالجيا على منصات التواصل الاجتماعي ، والسبب هو ظهور اول حالة إصابة بفيروس كورونا بالمغرب يوم ثاني مارس،
المغرب كان في حاجة إلى ثمانية عشر يوما ليدخل في الحجر الصحي، و ذلك بفرضه في العشرين من مارس.
قبل هذا الموعد وقعت ثلاثة أحداث فارقة في خريطة المشهد الوطني:
– ففي العاشر من مارس إنعقد إجتماع العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة مع حزب الإستقلال الذي يقود المعارضة، وجاء في بلاغ الإجتماع:” الطرفان أكدا في ضوء قراءتهما للمرحلة إرادتهم المشتركة والقوية على الإسهام إلى جانب كل الأحزاب السياسية الوطنية وكافة القوى الحية في المجتمع، من أجل مواصلة مسار الإصلاح السياسي والمؤسساتي، وتسريع وتيرته، بما يوطد دولة الحق والقانون والمؤسسات،
– الحدث الثاني هو الذي جمع عضوين من الحكومة دون باقي الفرقاء، وكان ذلك يوم 13مارس حيث عقد لقاء
التجمع الوطني للاحرار مع الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية وجاء في مضامين بلاغهما ان اللقاء يأتي :” تفعيلا لمضامين ميثاق الأغلبية الحكومية بما يمكنها من تنفيذ التزاماتها في جو من الانسجام والتضامن، فإن الحزبين يعبران عن دعمهما التام لوزير العدل في سعيه إلى تسريع وثيرة إصلاح منظومة العدالة، وفي نفس الوقت يؤكدان على ضرورة انخراط الحكومة في إصلاح شامل وعميق للسياسة الجنائية بما يتلاءم مع مبادئ الدستور، ويساهم في تعزيز الحقوق والحريات”
– اسبوعا بعد ذلك ويوما واحدا قبل إعلان الحجر الصحي ينعقد مجلس حكومي الذي تدارس وصادق،، على مشروع قانون رقم 22.20، الذي قدمه وزير العدل؛ وجاء في البلاغ استدراك بأن المصادقة تمت “مع الأخذ بعين الاعتبار الملاحظات المثارة في شأنه (مشروع القانون) بعد دراستها من طرف اللجنة التقنية ثم اللجنة الوزارية المحدثتين لهذا الغرض”.
بعدها مباشرة إنخرط المغاربة في لعبة عد المصابين و المتعافين و الملتزمين بالحجر و المخالفين، ولا احد تكلم عن هذا القانون الذي مر في صمت وغفلة.
قبل إنقضاء فترة الحجر الصحي الأولى خرج الكاتب الأول للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر بدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، تزامن ذلك مع تعديل وزاري بإعفاء وزير الثقافة والشباب والرياضة الناطق الرسمي بإسم الحكومة ،والذي قالت كل مكونات الحكومة انها لم تكن على علم بوقوعه!!
جريدة ” رأي اليوم ” تناولت موضوع الحكومة الوطنية، وردا على مطالب الكاتب الأول اوردت تصريحا انسبته إلى أحد كوادر حزب العدالة والتنمية قال فيه : “يتضح أن زعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إدريس لشكر، لم ينس بعد كيف تم إقصاؤه من حكومة الكفاءات قبل شهور قليلة، ولا يزال مصرا على الانتقام من حكومة العثماني، إما بإسقاطها أو بالدخول إليها”.
واتهم القيادي الاسلامي، زعيم الاتحاد الاشتراكي بأنه “يخدم أجندة ” خاصة بحزب مشارك في الحكومة، متسائلا (باستغراب) ما اذا كان المغرب قد فقد القدرة على مواجهة الوضع الوبائي لتتم الدعوة الى حكومة وطنية.
وإذا كان هذا موقف الحزب الذي يقود الحكومة، فإن موقفا آخر من حزب بالمعارضة هو” الأصالة و المعاصرة” الذي يقوده عبد اللطيف وهبي الذي تعتبره الصحافة زعيم التقارب المستقبلي بين العدالة و الأصالة والمعاصرة، والذي انتخب حديثا.
فقد تلقى الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي الخبر ، متسائلا عما اذا كان الهدف من الدعوة هو الإطاحة بسعد الدين العثماني من رئاسة الحكومة، وهو المطلب الذي يرى أن البلاد لا تحتاج إليه.
هكذا توالت الأحداث و التصريحات،
فهل كان من الممكن أن تمر هذه الزوبعة بلا آثار على كل الفاعلين السياسيين؟
مع بداية الفترة الثانية من الحجر الصحي سيعود الزمن السياسي إلى ليلة إعلان الحجر الصحي الأول وقرار المجلس الحكومي إعتماد قانون ما أصبح يسمى ” الكمامة”،والمناسبة هو ” تسريب” نسخة من مشروع القانون، وكذا مذكرة وزير الحريات في الرد عليه،و المنتمي إلى العدالة والتنمية ، تسريب بطعم الرد على مقترح الحكومة الوطنية!!
القانون نسب إلى وزير العدل، الوزير الوحيد المنتسب إلى الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية ،
و عندما ووجه كاتبه الأول إدريس لشكر بالموضوع كان رده، ” أنه لم يطلع بعد على فحوى هذا القانون وحيثياته، وفضل عدم التعليق لأنه لم يُنشر بعد في الجريدة الرسمية!”
لم يطلع عليه بعد مرور شهر على المصادقة عليه؟!!
ما سيؤكد هذا الموقف أن الحزب لم يتخد آية خطوة لمآزرة وزيره الوحيد بالحكومة، حيث جاء رد الحزب عبارة عن رسالة على ظهر الصفحة الأولى للجريدة الصادرة بالأمس جاء فيها:
” ولم يكن في وارد التقدير أبدا، ضرب الحريات أو التوجه نحو أية انتكاسة أو تعريض السمعة الوطنية والتراكم التاريخي المتحقق في قضية الحريات لأي مناقصة تاريخية أو سياسية..” مما يفهم منه تملص من مضامين القانون،
وتضيف الرسالة:
” إن الوزير الاتحادي ذهب بعيدا في التزامه بهذه الادبيات المتفق عليها، الى حد أنه رفض الجواب على اسئلتنا الحزبية الخاصة بالموضوع” مما يعني ان الحزب كان على علم بالموضوع، وهذا طبيعي مادام جاء في بلاغ المجلس الحكومي، لكن الغير مفهوم هو أن يكون الوزير عرض القانون من تلقاء نفسه بلا عرضه على هياكل الحزب، ورفض مناقشته بعد المصادقة إحتراما لسرية العمل الحكومي !!!!!
هذه الجملة الأخيرة تضع وزير العدل في الزاوية الضيقة بحيث انه حسب رسالة الإتحاد لم يفاتح حزبه في موضوع هذا القانون، ولا علم للحزب به، بل حتى إذا كان الحزب يتفهم أجواء عرض وتمرير هذا القانون ليلة إقرار الحجر الصحي، فإن الحزب يرى أياما قبل نهاية الفترة الثانية من الحجر الصحي انه لم يعد في حاجة لهذا القانون!! تقول رسالة الإتحاد:”
” فإننا نشدد على أن ثوابتنا في الدفاع المستميت على حريات شعبنا وحقوق وطننا، ستظل قائمة مهما كان الثمن. وكل ما يعرضها تجب مقاومته ورفع اليد عنه. وفي الأخير، فإن الشرط الموضوعي هو الذي يجعل هذا النص أو ذاك جديرا بالاهتمام، والمغرب وهو يتجاوز شروط مواجهة الفيروس وماترتب عنه آنيا، يكون قد تجاوز كل التباسات الوضع التي كانت وراء النقاش الخاص بهذا النص، وإن لم يكن رسميا، مما يقتضي رفع اليد عنه”
فهل نحن أمام توجيه لوزير العدل لرفع يده على قانون صادق عليه المجلس الحكومي ولم يعد ملكه؟
باقي مواقف الأحزاب أغلبية ومعارضة خرجت بتصريحات و بلاغات تتملص من هذا القانون و من بنوده،
امحند العنصر، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، صرح في اتصال هاتفي مع قناة شوف تيفي أنه لا علم له بفحوى هذا القانون: “لقد تتبعت هذا النقاش في شبكات التواصل الاجتماعي ومن خلال بعض التقارير الإعلامية، لكن ما يتم الحديث عنه هو فقط تسريبات ولم نتوصل بعد بالصيغة الرسمية”.
فكيف لأمين عام حزب مشارك في الحكومة ان لا يكون على علم بقانون صودق عليه قبل شهر وحزبه مطالب بإعداد مذكرة بخصوص تعديل بنوده؟!!!
نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، أدلى بدوره بتصريح لـ”شوف تيفي” قال فيه إن مثل هذا النقاش يسيء لجو الوحدة الوطنية الذي نعيشه حاليا والتعبئة في مواجهة فيروس كورونا”… وما يتم الحديث عنه خطير ويهدد الحريات، لكن بمجرد أن تكتمل الصورة سنكون في التقدم والإشتراكية أول من يدافع عن حرية التعبير.
حزب الإستقلال سارع إلى التنديد بمشروع القانون و صارت على منواله أصوات من العدالة والتنمية ومن الإتحاد الإشتراكي ومن مختلف المكونات.
فهل ضحى الجميع بوزير العدل، الذي ” تبرأ” منه حزبه، كما تبرأت من قانونه الأغلبية، مع العلم ان البيان المشترك بين حزب الإتحاد و الأحرار اسبوعا قبل عرض المشروع للمصادقة نص على دعم الحزبين لوزير العدل [!!] ،
لماذا بالضبط وزير العدل؟ ”
ولماذا في ذلك التوقيت؟
محمد بنعبد القادر خرج عن صمته بعد إطلاعه على ما يبدو على رسالة الإتحاد و مواقف باقي الفرقاء بما فيهم كاتبه الأول إدريس لشكر ليصرح لـ”الأول”: أنا من أعددتُ مشروع قانون 22.20 لكنه لم يعد ملكا لي لوحدي.. وهناك لجنة وزارية.تدرسه والصيغة النهائية لم تجهز بعد.
فهل يمكن لوزير ان يقترح مشروع قانون دون علم حزبه وهو عضو بمكتبه السياسي؟
هل نحن أمام سيناريو هيتشكوكي بدأ بلقاء حزب عينه على رئاسة الحكومة السنة المقبلة( الإستقلال) ،مع حزب هو من يترأس الحكومة الحالية(العدالة والتنمية) ، ووصولا إلى لقاء لحزب سيعرض وزيره الوحيد قانونا مثيرا للجدل، ويدعو كاتبه الأول بحكومة وحدة وطنية(الإتحاد الإشتراكي) ، مع حزب يرى المتتبعون ان امينه العام اخنوش اكبر المستفيدين من هذا القانون(التجمع الوطني للاحرار) ، وهذا ما يفسر تضمين البلاغ دعم وزير العدل.؟!!!!
وفي تحليل شيطاني/خيالي؛:
هل هناك من يريد التضحية بوزير العدل لإفشال التحالف الحكومي الحالي وإعطاء الشرعية لحكومة انتقالية قد تتجه نحو تأجيل الإنتخابات بسبب كورونا؟
رسالة الإتحاد قالت إنها لم تعد في حاجة لقانون وزيرها لأن اسباب نزوله هي كورونا و الآن لا يحتاج المغرب لهذا القانون،
العدالة والتنمية ملزم كقائد للحكومة ان يتشبت بما صادق عليه مجلس19مارس، لكنه يترك لنفسه هامش التفاوض و المناورة على مستوى التعديلات،
وقد تقود مفاوضات إلى تعديلات مشتركة بين العدالة و الإستقلال و الأصالة في رسم لتحالفات مابعد 2021.؟
فهل عرض هذا القانون بصيغة تسريب هو رد من الرميد والعدالة والتنمية لدعوة /مناورة لشكر الإتحاد الإشتراكي بخرق التحالف بالدعوة إلى حكومة وحدة وطنية؟
إن اللعب مع الكبار هو لعب يستوجب تحليلات شريرة،
ننشرها بكل حرية قبل تنزيل القانون الذي سيحرمها،
فهل تعتبرون؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*