اليسار الآخر: أو ماذا يريد مصطفى المريزق؟

اليسار الآخر:  أو ماذا يريد مصطفى  المريزق؟

إسماعيل علالي*

غني عن البيان أن قيم اليسار المثلى المنتصرة للإنسان لا يختلف حولها اثنان، و لا يكفر بها إلا من رضع من ثدي الكراهية و تشبع بحليب الرجعية و الجمود ، و ابتلي بنظر أحادي خرافي يجعله منغلقا عن نفسه، قانعا بما ورثه عن أجداده، و معاديا لكل دعاوى التقدم و التحرر و التحديث، من هنا قمنا بتفكيك بيانات و مقالات  المصطفى المريزق، التي وجدناها حبلى  بدعوة صريحة  إلى بناء يسار آخر، جديد و متجدد، يتجاوز  أزمة اليسار الحالية.

حيث يرى رئيس حركة قادمون و قادرون مغرب المستقبل،  أن التراكم الذي حققه اليسار  على أرض الواقع، و التضحيات الجسيمة التي قام بها أنصاره بوأته  مكانة رفيعة في سلمية الفعل النضالي،          و رفعته إلى  مرتبة الإرث الإنساني الكوني الذي نفذ إلى مختلف المجلات، و تشبع بمقولاته الاقتصادية و السياسية و الثقافية والاجتماعية والحقوقية كل التقدميين المؤمنين بحق الإنسان في حياة قوامها العدل و المساواة و الحرية، ألهمت النبغاء و العظماء الذين حرصوا على تنزيل مقولاته النظرية  و قيمه المثلى إلى أرض الواقع و النضال حتى الموت من أجل ديموتها وشيوعها في سائر الأقطار  خدمة للإنسان في أبعاده الكونية، حتى لا يقع ضحية الاستبداد و العبودية و الإقصاء  الطبقي، و العرقي و الجنسي        و الديني و اللغوي، الذي حاولت تكريسه الأنظمة الاستبدادية و  التيارات الفاشية، والقوى الظلامية.

و لم تمنع  إشادة مصطفى المريزق ، بهذه الحقيقة  التي جعلت الفكر اليساري  إرثا إنسانيا،  و خطابا قيميا- عمليا ينتصر للإنسان، من البحث في الأسباب  التي جعلت حضوره اليوم باهتا، و و علة تواري أنصاره  للوراء فاسحين  المجال أمام أنصار  الإمبريالية المتوحشة، و الفكر الشعبوي الخرافي، و اليمين المتطرف، و التيارات الرجعية الفاشية المقيدة لحرية الإنسان في ممارسة حقوقه كاملة غير منقوصة  ؟  و التساؤل عن السبل الكفيلة بتجاوز أزمته الراهنة ؟ و الدعوة إلى يسار آخر  لتجديد روح النظرية فكرا و ممارسة؟.

يقر  المصطفى المريزق أن الإجابة عن هذه التساؤلات هي رهان كل الحالمين بيسار آخر جديد  و متجدد، قوي و متماسك، متجذر  و متلاحم مع كل قضايا الإنسان الطارئة، فكرا و ممارسة.

و ينص على أن  بناء يسار جديد رهين بالتخلص   من الآفات الثلاث التي ابتلي بها الفكر اليساري عامة ، و العربي-المغربي خاصة، و هي:

  • آفة العمى الإيديولوجي: حيث  يرى عراب حركة قادمون و قادرون، أن كل التلوينات اليسارية، قد و قعت  في  أغلال  الإيديولوجية التي قيدت عقلها التحرري الخلَّاق، و جعلتها تتساوى مع التيارات المؤدلجة السابقة لها، من حيث تقليد  ممارساتها التي تتسم بالتعصب الإديولوجي، و  النظر الأحادي، و تقديس النقل ، في ضرب سافر  للمبادئ الأولى المؤسسة للفكر اليساري العقلاني، بل وتشويه قراءته و سوء تأويل مقولاته، من تيار  لآخر ، مما أحدث  هوة كبرى بين مكونات الجسد اليساري ، وساهم في خلق أصنام يسراوية متصارعة، و عبادتها على غرار التيارات المحافظة التي تحكم مرجعيتها سلطة النقل الماضوي،  دون مراعاة لمبدإ التطور،  الذي يقتضي التصويب والتوسيع، و التنقيح، و النقد الخلاق، المراعي لسيروة التاريخ                 و صيرورته الموضوعية.

فهذه الممارسات الخاطئة الناتجة عن تأويلات خاطئة للفكر اليساري، هي التي ساهمت من منظور المصطفى المريزق في ظهور تيارات يسراوية متباينة حد التطاحن،  دفعت كل تيار للتعصب لقراءته الخاصة للفكر اليساري، و اعتبارها الحقيقة التي لا يأتيها الباطل من أي جانب، مع التشكيك في التيارات الأخرى رغم اشتراكهما في الولادة نفسها، حيث نتج عن هذا  التشكيك  تفشي العمى الإيديولوجي الذي نخر الجسد اليساري، وحرمه من القيام بأدواره الطليعية التي بشَّر بها المؤسسون    و ناضلوا من أجل شيوعها، وماتوا في سبيلها.

  • آفة السيطرة:  من الآفات  التي يرى المصطفى المريزق أنها  ساهمت في تشتت اليسار ،              و  إضعافه،  آفة السيطرة و صراع تيارات يسراوية من أجل التسلط، السياسي، و الاقتصادي، والاجتماعي، و الثقافي،  حيث يرى أن هذه الرغبة في التسلط  جعلت قوى اليسار تعدل عن مواجهة عدوها الحقيقي الداخلي و الخارجي، المباين لها إديولوجيا و رؤيويا ، و تنخرط في صراعات قابيلية ثانوية، انتهت بجريمة قتل الإخوة، و  إقصاء أبناء العمومة،  و الإعلاء من سلطة الصوت الواحد حتى من داخل التيار  نفسه، حيث  دفع جنون السيطرة اليسراوية المريضة، التي ابتلي به أرباب بعض التيارات إلى محاربة الأصوات الممانعة  و لو من داخلها ،       و إلغاء  الديموقراطية الداخلية، و تعويضها بديكتاتورية القائد/الحزب، الذي حرص على خلق ظلال ممتدة له، بدل خلق قادة  يساريين مستقلين برؤاهم الخاصة ،  كما هو الشأن في النسخة الستالينية لليسار  العالمي، هذه النسخة التي تجلت ملامحها في كثير من  تيارات اليسراوية العربية و المغربية، التي نقلتها دون مراجعة أو نقد، أو شجب لممارساتها الاستئصالية، مما ساهم في خلق قادة يساراويين-لا يساريين- فاشيين بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليس لهم من الفكر اليساري غير الانتماء السطحي، و لا هَمَّ لهم غير  همِّ الهيمنة               و التسلط و قمع الأصوات المخالفة لهم من داخل البيت اليساري، على غرار صنيع  الأنظمة الشمولية المتسيدة على قواعدها،  مما ساهم بشكل مريع –حسب المريزق- في إضعاف اليسار الحق و ضمور قيمه،  و فشله في التعبير عن آمال الناس و محو آلامهم، و مواجهة جبروت الإمبريالية المتوحشة  و الدكتاتوريات الجديدة المحافظة و المتطرفة و  القوى الظلامية المنغلقة.
  • آفة الاستلاب: يرى مصطفى المريزق أن خير ممثل لهذه الآفة هو اليسراوية العربية عامة،        و المغربية بصفة مخصوصة، حيث اشترك اليسار العربي و المغربي  من وجهة نظره، في الفشل  الذريع في بناء استقلالية يسارية ذاتية تراعي خصوصية المجال التداولي العربي/ المغربي وتسعى إلى توطين قيم اليسار الحق، لا نسخ التجارب اليسارية المتباينة بتباين قراءتها له، و سلخ مقولات اليسار الغربي ، و فصل مفاهيمه عن سياقها، و  زرعها عنوة في تربة المغرب دون تهذيب أو تشذيب أو مراعاة لأوجه الائتلاف و الاختلاف بين خصوصية المجال الذي نشأت فيه، و خصوصية المجال المغربي المنقولة إليه، فهذا الاستيلاب الناتج عن قصور  اليسراوي العربي/ المغربي في فهم الاختلاف الموجود بين كونية القيم اليسارية، و خصوصية التجارب اليسارية، في تعاملها مع الإرث اليساري، أدى حسب عراب الطريق الرابع  إلى جمود أنصار اليسار العربي و المغربي على المنقول الغربي، و تعميم ممارساته، دون وعي بالفروق التي أحدثتها التيارات المتفرعة عن الفكر اليساري في الغرب، و دون اختبار  الكفاية الإجرائية للنظرية، على أرض الواقع المغربي، مما جعل المشهد اليساري بالمغرب مبلقنا، تتنازعه تيارات يسراوية مقلدة ، منها تيارات  راديكالية ستالينية المنزع، و تيارات ماركسية الروح لينينية الممارسة، ، وتيارات تروتسكية ، إصلاحية، متصارعة فيما بينها، على غرار النزاع الذي نشأ في الغرب بين التنظيمات اليسارية الجذرية والإصلاحية، دون تجديد حتى في طرائق التناظر.

و ينبه مصطفى المريزق في إحدى مقالاته التأسيسية للطريق الرابع، إلى  أن اكتفاء اليسار المغربي بالتقليد و نسخ تجارب التيارات الوافدة، ضيَّع عليه فرصة بناء يسار آخر  مغاير  و خلاق، بموجبه ينتصر للاتحاد  بدل أن الاستثمار  في التشرذم، و بدل تضييع الوقت في صراع حول شرعية وهمية، يتجند لدعم الجماهير التواقة إلى الانعتاق من ربقة الامبريالية المتوحشة، وبدل تكريس الهيمنة، يعلي من شأن الديمقراطية الاجتماعية، و بدل التسلط  الثوري الأحادي، ينتصر لتكامل المجتمع التعددي، و بدل تفتيت اليسار حزبيا يحرص على تكامل مكونات اليسار رؤيويا، و بدل الخلاف و القطيعة، يدعم الحوار  التواصلي، ما دامت قيم اليسار المثلى واحدة،  ومادام الفارق يكمن في سوء الفهم و التأويل، لا في المقصديات الكبرى للفكر اليساري.

حيث نص المصطفى المريزق في مقاله الموسوم بمرتكز البؤس، على أن  هذه الآفات الثلاث هي  التي نخرت التجربة اليسارية بالوطن العربي عامة والمغرب خاصة و ساهمت في فشل اليسار في صورته الحالية، و جعلته منفصلا عن هموم الجماهير الشعبية التي هي مبرر نشأته و وجوده ، كما جعلت ظهوره  في المشهد السياسي و المجتمعي  الحالي باهتا، و حضوره التمثيلي محتشما.

و في نقده لواقع اليسار المغربي، و  بياناته  المؤسسة لباراديغم الطريق الرابع باعتباره إبدالا جديدا تبنته حركة قادمون و قادرون-مغرب المستقبل-، لا يكتفي المصطفى المريزق بسرد آفات اليسار  المغربي و الوقوف عندها، بل جعل من هذه الآفات مطية لبناء يسار آخر ، يسار  جديد و متجدد، تشكل هذه المرحلة المفصلية من تاريخ المغرب التربة الخصبة لولادته من أجل بناء مغرب المستقبل، و  إعادة الاعتبار لقيم اليسار الحق، لا اليسراوية المترهلة الذي أنهكها التشرذم و  الصراعات الداخلية و الآفات المذكورة أعلاه.

يتبع….) ج2(

*ناقد و باحث في تحليل الخطاب.

*يميز مصطفى المريزق بين مفهوم اليسار ، و مفهوم اليسراوية، و هذا المفهوم الثاني يطلقه على كل ممارسة ادعت الانتساب لليسار دون تمثل قيمه الحق،  وساهمت في تحريف نظريته بممارساتها السلبية.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*