شبابنا اليوم في حاجة إلى مقاربة جديدة لمشاكله وتطلعاته

فنجان بدون سكر:

بقلم: عبدالهادي بريويك

الدولة القوية حقا هي التي تقدر على التحول إلى دولة ديمقراطية حديثة، تمزج في تركيب خلاق شرعية الأصالة التاريخية وضرورة الحداثة العصرية.

وعليه، فإننا لا نؤمن بالدولة الضعيفة أو بإيجابية إضعاف الدولة، لأن مؤسسة الدولة ضرورة لا محيد عنها لإنجاز مهام التطور والتقدم.

وفي نفس الوقت لا نؤمن مبدئيا بجدوى الدولة الاستبدادية بقدر ما نعتبر أن القوة تتمازج مع الديمقراطية، أي مع ممارسة مؤسساتية تنطلق من سيادة الشعب والأمة.
وعليه فإن المرتكز النظري فإن النظام السياسي الذي أفرزته تراكمات التاريخ المغربي، نظام الملكية الذي وظف إرث الخلافة وإمارة المؤمنين، حصل حوله إجماع وطني في منحاه المتطور والذي يتخذ شكل الملكية الدستورية الديمقراطية والاجتماعية، يمارس فيها الملك سلطاته كرئيس دولة وكحكم فاعل، مؤتمن على سير المؤسسات السياسية في اتجاه أكثر حداثة وأكثر نجاعة”.
إن هذا الطرح المضبوط والمتبصر ما هو إلا تأكيد على الدولة الفاعلة التي يعمل المغاربة لقيامها فوق أرض الواقع كإحدى المتطلبات الأساسية للتجديد، ستظل شعاراً أجوف إذا لم يرتبط الهدف بوسيلة عمل، أي بجهاز إداري قادر على تجاوز نقائصه وتقديم خدمة جيدة للدولة والمواطن على السواء.
إن الجهاز الإداري المغربي أضحى اليوم محط انتقادات لاذعة من لدن المستهلكين والمحللين، ولعل تلك الانتقادات تجد في الواقع المعاش ما يبررها ويغذيها بالنظر لتراكم الاختلالات لا من حيث التنظيم الداخلي ولا من حيث العلاقات مع المواطنين.
فعلى الصعيد الأول تشكو الإدارة من تضخم في الهياكل الإدارية وعدد الموظفين بسبب غياب العقلنة في الانتشار، كما تشكو من اختلال في أنظمة الأجور وتقادم منظومة الترقي، أما على الصعيد الثاني فتعقيد الإجراءات والمساطر وكثرتها الزائدة من جهة، والتركيز المفرط انطلاقاً من العاصمة، على حساب سياسة لا تركيز إداري تكون متممة ومطورة للامركزية من أجل ضبط التواصل مع الزبناء، من جهة أخرى، كل هذا يخلق مناخا إداريا متقادما يحتاج إلى أن تهب عليه رياح التغيير لينفض غباره حتى تسهم الإدارة في سياسة الإصلاح الشمولي التي يتوخاها المغرب وحتى تتوفر الدولة على ذخيرة ثمينة من المعلومات والتصورات المتكاملة والدقيقة يمكن توظيفها كأساس لسياسة إصلاح إداري شمولية طموحة.
وإذا كان المغرب قد عرف تحولات نسبية مست بعض الجوانب من هياكله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحقق مكاسب سياسية مهمة على مستوى استكمال وحدته الترابية وتعزيز المسلسل الديمقراطي والدفاع عن حقوق الإنسان، فلا ريب أن وثيرة التطور منعدمة التكافؤ بين الجهات، ذلك أن مناطق كثيرة من بلادنا توقف فيها الزمن بكل معنى الكلمة ولا تعرف معنى الحداثة، بحيث أن المغرب ما يزال مطالبا بالتعبئة للتصدي لقضايا أساسية لم تتم بعد معالجتها إن على المستوى السياسي أو في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والرهان المطروح عليه الآن خوضه يتمثل في تأكيد وتعزيز سيادته الوطنية ورفع تحدي التنمية الاقتصادية وإشاعة الديمقراطية وحقوق الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية والتضامن بين فئات المجتمع.
فقد تولد عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يجتازها المغرب في ظرف يتزايد فيه دور وتأثير وسائل الإعلام العالمية تراجع لعدد من القيم والأخلاق التي ساهمت في الماضي في تكوين شخصيتنا المغربية المتميزة لتحل محلها ظواهر اجتماعية غير مألوفة أخذت تنتشر بسرعة في الجسم المغربي كانتشار البغاء واستفحال انحراف الأحداث.

غير أن أخطر هذه الأمراض الاجتماعية على الإطلاق يتمثل في تفشي الرشوة والزبونية والمحسوبية خاصة داخل صفوف الإدارة ، مما يؤثر على مصداقيتها وفعاليتها ويولد لدى المواطن البسيط شعورا بالإحباط والحيف وفقدان الثقة في جهاز الدولة.

ومن جهة أخرى ، ساعدت تجارة المخدرات والتهريب وغسيل الأموال على ظهور عناصر تدير أموالا طائلة وتهدد باقتحام المجتمع السياسي بأحزابه ومؤسساته المنتخبة.
وقد نتج عن كل هذه الظواهر المرضية تصاعد الأنانية المفرطة وتراجع قيم التكافل والتضامن الاجتماعي.
وإذا كان المجتمع المغربي يتميز بقاعدته الشابة العريضة، فإن ما عرفه من تحولات عميقة في العقد الأخير وما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية من ترد أفرز شبابا يختلف تماما عن شباب الأمس في سلوكه وأسلوب تفكيره وعقليته.

فالأفق المسدود والمستقبل المجهول تهدد بانتشار اللامبالاة وبوادر اليأس ومظاهر فقدان الثقة في الخطاب السياسي المنادي إلى النضال والتضحية في صفوفه.

وتهدد بتعميق التعامل القائم على المنفعة المادية والأنانية في أوساطه، ولن تنقذه من ذلك الشعارات والمثل التي لم تعد تحفزه وتغذيه بنفس قوة الماضي كما أثبتت ذلك الانتخابات الأخيرة.

وأصبح شبابنا في ظل هذه الأوضاع عرضة للأفكار المتطرفة والماضوية .
إلا أن شبابنا، رغم ضخامة المشاكل التي تحاصره، والمخاطر التي تهدده، يسعى جاهدا إلى إثبات ذاته.

ولم يتوقف عن النضال من أجل حقوقه في التثقيف والتعليم والشغل وغيرها، عبر نشاطه المكثف في المجال الثقافي ، ونزوعه المتزايد نحو روح المبادرة والمقاولة، وتفتحه على قيم جديدة تجعله مستعدا للحوار والمساهمة في حل مشاكله، وتقديم المزيد من التضحيات مقابل غد آمن و مستقبل أفضل.

وما إنشاء جمعية المعطلين الشباب إلا برهانا على إصرارهم على مواصلة المعركة من أجل حقوقهم وعلى الأمل الذي لا يزالون يعلقونه بالمستقبل.
إن شبابنا اليوم بالنظر إلى هذه الوضعية في حاجة إلى مقاربة جديدة لمشاكله وتطلعاته تسعى إلى تفهمه أكثر وإلى دعمه ومساعدته وإشراكه في تحمل المسؤولية واتخاذ القرار حتى لا يفقد ثقته في نفسه وقدراته، ويساهم بقسط وافر في بناء المستقبل.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*