عادل بنحمزة يكتب: قنصليّة في العيون هديّة أبو ظبي للرّباط

د، عادل بن حمزة
يخلد المغرب يومه الجمعة 6 تشرين الثاني (نوفمبر)، الذكرى 45 للمسيرة الخضراء التي أنهت الاحتلال الإسباني للصحراء المغربية. ومع هذه الذكرى يتجدد الحديث عن النزاع المفتعل في الصحراء المغربية كواحد من النزاعات الموروثة عن الحرب الباردة خلال القرن الماضي.
هذا النزاع استعصى على الحل برغم اليد الممدودة التي بسطتها الرباط منذ سنوات، وذلك بالنظر لما يمثله من عائق يمنع قيام تكتل إقليمي متضامن ومتماسك على مستوى المغرب الكبير وشمال أفريقيا، وهو ما يعتبر إهداراً بالجملة لفرص التنمية في هذه المنطقة التي توجد في قلب العالم وفي قلب رهانات الدول الكبرى، خاصة إذا علمنا أن القارة الأفريقية هي قارة المستقبل، سواء كمصدر للموارد الطبيعية، خاصة بالنسبة للاقتصاد العالمي الجديد لمرحلة ما بعد الطاقة الأحفورية.
فالقارة تملك أهم المعادن التي تدخل في صناعة البطاريات وكذلك الفوسفات المادة الحيوية التي سيتوقف عليها الغذاء العالمي في المستقبل بالنظر إلى التحولات المناخية وارتفاع عدد سكان العالم.
بلا شك أن جبهة البوليساريو ومن يقف وراءها دخلت في حرب استنزاف مع المغرب بخصوص قضية الصحراء المغربية، ولعل آخرها إغلاق معبر الكركرات وهو المعبر البري الوحيد الذي يربط جنوب المغرب بموريتانيا، ما تسبب في آثار اقتصادية على الجارة الجنوبية للمغرب.
أظهرت جبهة البوليساريو التي تنشط فوق التراب الجزائري، أنها لا تملك رؤية غير تلك الموروثة عن شعارات المعسكر الشرقي أواسط السبعينات من القرن الماضي، وقد أثبتت المسارات التي فتحتها الأمم المتحدة بحثاً عن حل للنزاع، أن الجبهة لا تملك قراراها، سواء تعلق الأمر بالحرب أو السلم، وأنه ما لم يحدث تحول حقيقي في الجزائر فإن قيادة الجبهة ستظل تائهة في رمال الصحراء المتحركة.
قدم المغرب منذ 2007 صيغة لا غالب ولا مغلوب من خلال مقترح الحكم الذاتي في الصحراء، وهو ما تبنته الأمم المتحدة في كل قراراتها. قدمت الرباط ذلك بمنطق أن الجغرافية تظل ثابتة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا تهم الوطن الواحد والشعب الواحد، وبرغم أن المغرب يقدم عرض الحكم الذاتي لجبهة البوليساريو، فإن الجبهة لا تعتبر ممثلاً وحيداً للصحراويين، إذ الأغلبية المطلقة منهم تعيش فوق تراب الصحراء وتمارس فعلياً الحكم الذاتي من خلال المؤسسات المنتخبة، منشغلة بقضايا التنمية ومساهمة في معركة البناء الديموقراطي. فالمغرب منذ سنوات يسعى لوضع حد لاستمرار هذا النزاع إلى ما لا نهاية ويبحث عن حلول واقعية لمعاناة إنسانية امتدت لسنوات طويلة فرقت العائلات والأسر، وجعلت من أجيال عديدة سجينة مخيمات قاسية تحاول الجبهة أن تصنع منها دولة افتراضية.
وضعية الصحراويين في مخيمات الرابوني بتندوف، أحد المواضيع المهمة التي أسقطت طويلاً من الاعتبار عند الحديث عن قضية الصحراء المغربية، برغم أن المراجع الدولية تسعف الرباط في خوض معركة حقيقية تكشف زيف خطابات قيادات البوليساريو وتعطيلهم للقانون الدولي، إذ إن الصحراويين المغاربة في تيندوف، لا يتمتعون بحقوق اللاجئين وفق ما تنص عليه اتفاقية جنيف ذات الصلة، ما يجعلهم فعلياً في وضعية احتجاز قسري ودروع بشرية للاسترزاق بقضية الانفصال وإضفاء بعد إنساني خادع عليها، ينتهي في النهاية بمراكمة ثروات خيالية عبر نهب المساعدات الإنسانية، وهو ما كان موضوع تقارير دولية وصحافية.
فهولاء اللاجئون في المخيمات محرومون من جواز السفر، ومن الاختيار بين العودة إلى الوطن الأم أو الاستقرار في الجزائر أو المغادرة إلى بلد ثالث، كما أن الجزائر ومعها البوليساريو، ترفضان منذ سنوات طويلة أي إحصاء للمحتجزين برغم المطالب المتكررة للأمم المتحدة، وهذه كلها من مشمولات اتفاقية جنيف للاجئين وهي ملزمة للدولة الجزائرية بحكم وجود المخيمات على أراضيها، لكن الأمم المتحدة لم تكن جدية وحازمة في أي وقت مضى لتمكين الصحراويين هناك من حقوقهم التي ينص عليها القانون الدولي.
بل المفارقة هي أن تكون جبهة البوليساريو التي ترفض الإحصاء تحت إشراف الأمم المتحدة، هي نفسها التي لا تمل ولا تكل في المطالبة بتقرير المصير عبر الاستفتاء واستكمال مسلسل تحديد الهوية الذي توقف بسبب عدم واقعيته وحجم الطعون التي قدمت ضد المسجلين من الطرفين! فمن يرفض مجرد إحصاء “اللاجئين”، كيف يمكن أن يكون جدياً في المطالبة بتقرير المصير الذي يفضي إلى الانفصال حسب رهانات الجبهة؟
لقد عمل المغرب رفقة الأمم المتحدة منذ سنوات، لتعزيز إجراءات الثقة وفصل الجانب السياسي عن الجوانب الإنسانية، وكان برنامج الزيارات المتبادلة للعائلات، إحدى المبادرات المهمة في هذا الاتجاه، غير أن البوليساريو اكتشفت أن هذا المسار ينزع عنها أوراق الدعاية، ويكشف زيف خطابها بخصوص المناطق الجنوبية من المملكة، بل إن تلك الزيارات أدت مفعولاً عكسياً بشكل دفع قيادة الرابوني إلى وقفها بصفة نهائية، لأن كثيرين ممن زاروا مدن الصحراء فضلوا البقاء فيها بدل العودة إلى مخيمات تيندوف.
المغرب وهو يخوض معركة وحدته الترابية منذ منتصف الستينات من القرن الماضي التي استنزفت كثيراً من موارده، كان مسنوداً من أشقائه العرب وخاصة في الخليج، فقد برز الدور الإماراتي بروزاً لافتاً منذ نهاية السبعينات، حيث تميزت العلاقات مع الإمارات بطابعها الاستراتيجي، وكانت أبو ظبي خير سند للحقوق التاريخية للمغرب في صحرائه، بل إن الشيخ محمد بن زايد شارك 360 ألف مغربي ومغربية مسيرتهم الخضراء في مثل هذا الشهر من سنة 1975، هذا الوفاء يعاد تجسيده اليوم من خلال قرار أبو ظبي فتح قنصلية عامة في مدينة العيون، كبرى مدن الصحراء المغربية وهو قرار نوعي وتاريخي يؤكد ثبات العلاقات القوية بين البلدين والشخصية بين الملك محمد السادس ورفيق دراسته الشيخ محمد بن زايد، ويعتبر دعماً سياسياً ومعنوياً كبيراً للمغرب.
عادل بن حمزة
المصدر: النهار العربي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*