العمل التطوعي

 

مصطفى الخداري
نائب مدير مدرسة عمومية بأمستردام


فجأة تتلاوح أغصان الشجيرات المصطفة على جنبات الوادي لتحطم الصمت المهول الذي يسود المكان.

إنه صباح يوم من أيام الشتاء. برودة قارسة و ظلام يحجب الرؤية رغم تواجد أعمدة الإنارة في كل مكان.
ويستمر تمايل هذه الشجيرات التي استطاعت بفعل نوعيتها الحفاظ على أغصانها خلافا لما حالت إليه وضعية باقي الأشجار.

حيث ودعت كل أوراقها و أضحت شجرة فارغة إلا من أعمدتها العارية.

هذه الحركة التي يواكبها صوت خافت يوحي بأن شيئا ما يريد اختراق الحلكة و تكسير الهدوء المهيمن على المكان.

و ما هي إلا لحظة قصيرة حتى يتحول المكان الى تجمع طارئ تقصده أسراب البط والإوز وباقي أنواع الطيور المائية من كل جهة وصوب. تتعالى فيه أصواتها المدوية التي تعبر عن غبطتها الكبيرة و كأنها على موعد متفق عليه مسبقا.
إنها الفرحة المعهودة التي تستقبل بها إحدى السيدات المعروفة بأكياسها البلاستيكية المحمولة على دراجتها الهوائية وبمعيتها كلبها المرافق الأمين.
ترى بماذا حملت هذه الأكياس؟
إنها أكياس مملوءة ببقابا الأطعمة والبذور الجافة . تقوم السيدة المذكورة بجمعها عن طريق الجيران و بعض المحلات التجارية التي تتبرع ببعض منها.

ثم تقوم هي بتوزيعها كل صباح على الطيور المائية القابعة جنبات الوديان.

لقد تحولت مياه الأنهار والوديان في هذه الأسابيع الأخيرة بفعل قساوة البرد الى ممرات للتزحلق الطبيعي و التنزه للصغار والكبار فوق مياهها المتجمدة. منظر خلاب, افتقدناه السنين الأخيرة.
أما بالنسبة للطيور المائية فالأمر مختلف. حيث يصعب عليها البحث عن قوتها.

هذه العملية التطوعية التي تقوم بها هذه السيدة في الصباح الباكر من كل يوم لتطعم بها هذه الطيورالبريئة تستغرق بضعة ساعات طيلة فصل الخريف و الشتاء.

تطوف بدراجتها حول الوديان التي تخترق قلب المدينة ثم تتوقف كل مرة في مكان خاص. وهناك تبدأ عملية التطعيم وسط حشد كبير من الطيور التي تهب على المكان من كل صوب و بسرعة فائقة.
هذا نموذج واحد من النماذج العديدة و المتنوعة التي نشاهدها و نلمسها في هذا البلد. لأن العمل التطوعي هو ركن أساسي من أركان الثقافة الهولاندية.

هذه الشيمة التي يتميز بها هذا المجتمع يقوم بها على حد سواء العاملون والعاطلون على العمل في مجالات مختلفة.
حسب الإحصائيات الأخيرة التي تقوم بها مؤسسة CBS الهولاندية, وهوالجهاز المركزي للإحصاء في هذا البلد, فإن حوالي نصف سكان هولاندة الذين يفوق سنهم 15 سنة, يقومون على الأقل مرة واحدة في السنة بعمل تطوعي.
فالأندية الرياضية العديدة و بكل شرائحها التي توفر المجال للصغار و الكبار لممارسة هوايتهم المفضلة تعتمد جميعها على مجهود المتطوعين في إعداد الملاعب, تجهيزها و صيانتها بانتظام, القيام بكل الأعمال الإدارية و التواصل المستمر مع باقي الأندية , الآباء و التنقل الخ.
نفس الشيئ بالنسبة للمدارس بصفة عامة و الابتدائية بصفة خاصة.

لا يمكنها الإستغناء هي الأخرى عن الخدمات المتنوعة التي يقدمها المتطوعون. أغلبهم آباء وأولياء التلاميذ ، ومنهم أيضا أفراد لا أطفال لهم و لكنهم يريدون مساعدة المدارس في بعض الأعمال. مثل تسيير المكتبة المدرسية ، دروس الدعم والتقوية في بعض المواد ، مرافقة التلاميذ في رحلاتهم وأنشطتهم خارج المؤسسة, إصلاح الحواسب و الخ.
أثلج صدري عندما جالست إحدى الجارات و هي امرأة مسنة تتبادل معي أطراف الحديث و تحكي عن أبناءها الثلاثة بكل اعتزاز وفخر.

تبين فيما بعد أنها أنجبت طفلين و تطوعت صحبة زوجها لتربية الطفل الثالت الذي كان في أمس الحاجة للمساعدة. لم تتردد و لو لحظة في الاتصال بالجريدة , بعدما قرأت مقالا مفاده أن صبيا عثر عليه في إحدى الأزقة و لم يظهرللأم أثر. الصبي المذكور أصبح الآن رجلا.
إحدى الأمهات التي تجاور أسرة “ألبير” و هو طفل من أصل إفريقي قدم مؤخرا الى هولاندا. لم تتردد و لو لحظة في التطوع لمساعدة الأسرة. و جعلت من “ألبير” طفلها التاني .

يرافق الأسرة أثناء تنقلاتها و زيارتها في نهاية الأسبوع أو العطل المدرسية الى المتاحف، الى حديقة الحيوانات، الى المنتزهات الخ.
أكثر من هذا أخذت على عاتقها مساعدة الأسرة في المراسلات الإدارية و تمكينها من ولوج باب المساعدات الاجتماعية.

يستحيل ذكر كل الأعمال التطوعية التي تنجز و غالبا في صمت. مثل الزيارات التي يقوم بها بعض الأفراد باستمرار للمرضى و المسجونين الذين لا عائلة لهم.

و المساعدات العملية التي تقدم لمؤسسات رعاية الأطفال و الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين بصفة عامة. وكذلك العديد من التبرعات المادية التي يتم جمعها في الأزمات و النكبات الطبيعية.

إن هذه الشيمة الأخلاقية الكبيرة التي يتميز بها هذا الشعب والتي أضحت جزء من ثقافته , هي الشيمة التي يجب أن تعمم على كل الشعوب و بدون استثناء.

لأنها خاصية تتجلى فيها كل معاني الإنسانية الحقيقية.
فالعمل التطوعي يساعد على اكتساب الثقة, و يزيد من مفهوم التعاون والمشاركة في المجتمع بشكل جيد. أضف الى ذلك أن جميع المجتمعات في حاجة ماسة لهذه الصفات من أجل زيادة التواصل الاجتماعي و سلامة التعامل فيه.

مصطفى الخداري
نائب مدير مدرسة عمومية بأمستردام

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*