كلام فارغ عن ” الحرب على الدين “

عبد السلام المساوي
1_ اتضح الان أن الغرض ليس التراويح ، لأن هذه السنة الرمضانية قابلة للتطبيق في المنازل ولا يمكن منع أي أحد منها ، واتضح أيضا من خلال ما وقع من تجمهر صغير هنا في مدينة او قرية ، أو مسيرة محدودة هناك في هذا المكان أو ذاك أن القصة لا علاقة لها بالغيرة على الدين وما الى ذلك من الشعارات التي يرفعها بعض الكذبة المزايدين وهم ينتقدون قرار منع التنقل الليلي بسبب انتشار الوباء في ظل عدم تحمل لتكلفة منع التنقل نهارا أيضا .
واتضح ان هناك من يريد الركوب على هاته هي الاخرى وان أضر بصحة الناس العامة بعموم المسلمين _ الذي يدعي انه يغار عليهم _ الى التهلكة .
كلام فارغ عن ” الحرب على الدين ” ، وكلام أكثر فراغا عن استهداف الأمة وتقاليدها وعن معركة وهمية تدور في رؤوس لا يدور فيها أي شيء فعلا ، فيما الواقع أبسط من كل هذا الهراء بكثير ؛ الوباء وصل مرحلته الثالثة الحرجة في كل أنحاء العالم . الدول تعود لاقفال حدودها الجوية عليها . كندا تستعد للاغلاق الشامل . تونس جارتنا تمنع تنقل العربات والسيارات وتزيد مدة الحجر الليلي . فرنسا دون مدارس وقس على ذلك ما شئت من أمثلة تؤكد أن الوضع الصحي غير مطمئن وأن العالم يخشى الأسوأ …
وفي نفس الوقت ما الذي يدور في رأس كل من لعبت ” الحريرة ” بكل حواسه ؟ ” هذه حرب على الدين ” !!!
نعترف أن النقاش مع هاته العقلية هو صراع محسوم سلفا لصالح الأكثر جهلا ، لأن حسن النية وسوءها لا يلتقيان ولأن الجاهل بحقيقة الوضع لا يمكنه الا العناد الغبي والاصرار عليه ” ولو طارت معزة ”
لذلك لا مفر : حرب التوعية وايقاظ الجموع هي الأهم اليوم . ماذا والا سنضيع بالفعل جميعا .
2_لعبة قذرة للغاية، خاضها التيار اياه مجددا في حكاية منع التنقل الليلي ، عندما حول هذا المنع من قرار اداري صرف يريد حماية الناس ، الى قرار يستهدف المساجد والصلاة وتعبد الناس في ليالي رمضان الفضيل ، بل والى قرار ” تراد منه الحرب على الاسلام ” !!!!!
لماذا حول التيار اياه الحكاية الى ” حرب ” مفتعلة ضد الاسلام وهيج قاصرين ، واخرين راشدين لكن لا يفهمون شيئا ، وأرسلهم الى الشوارع لكي يرددوا ” الشعب يريد صلاة التراويح ” دون أن يفهموا ما يقولونه ؟
فعل ذلك لأن الوتر الديني وتر حساس لدى المغربي ، ولعلم هذا التيار ان هذا الشعار لا تستطيع أي جهة في البلاد أن ترفضه ، لأنه شعار يرفعه أناس يريدون الصلاة ( وهذا مطلب لا يمكن أن ترفضه ) . كما أن قوات الأمن لن تستطيع استعمال القوة مع صغار قاصرين ، يطوفون الشارع ليلا وهم يصرخون بكلام لا يفهمون المغزى منه .
هل سنجد طريقة سوية للتعامل مع تيار سياسي كلما ضاقت به الأرض بما رحبت الا ورفع شعارا دينيا من شعاراتنا المشتركة لكي يقسم بها المغرب قسمين ، ولكي يوزع من خلالها صكوك الغفران ونصوص الإدانة على الطرفين ؟
هذا المشكل هو أساس العقدة كلها ، وهو قائم على الحرب التي يجب أن نخوضها جميعا ضد الاتجار والمتاجرين بالدين ، وهم في عداد المتاجرين بالبشر لانهم لا يتورعون عن امساك المشترك بين مخالب قراءتهم السياسية المتعسفة للأشياء ، ولا. يترددون ولو هنيهة واحدة من الوقت في التضحية بالشعب ، وبصحة الشعب ، ومصالح الشعب الحقيقية ، من أجل تسجيل مكتسبات وهمية يرونها انتصارات على أرض الواقع ، فيما هي دليل فعلي على هزيمة جماعية للعقل في هاته الأرجاء .
حرب العقل هاته ضد الاتجار بالدين وبالمتدينين هي الحرب المقدسة حقا ، وهي قوام ما سيأتي من تدافع بين الناس في السنوات القادمة كلها . لا مفر من الأمر ، وإن أراد الكثيرون إعفاء انفسهم من الاعتراف بهذا الصراع ، وحاولوا بمسميات وقراءات شتى أن يقنعونا بالعكس ….
3_الله مصدر للطمأنينة في حالة الخوف ، ومصدر القوة في حالات الضعف ..
لكن الله لا يأمر عباده بأن يلقوا بأنفسهم الى التهلكة ، لقد وهبهم كل ظروف التيسير في عبادته ؛ أجاز لهم افطار رمضان ، وأجاز لهم تقصير الصلاة ، وفرض الحج على من استطاع إليه سبيلا …في طقوس عبادته التي هي واجبات غير قابلة للاسقاط بكون الله رحيما ، فكيف لا يكون أكثر رحمة لمن يطرقون أبوابه طلبا لرحمته .
الاشكال ليس في اللجوء الى الله ، ولا في التكبير والتسبيح ولا في التراويح. الاشكال كل الاشكال في الانتحار الجماعي باسم الله ، وفي الشروع في قتل الاخرين باسم التضرع الى الرب ، والدين نفسه يعتبر الانتحار كفرا ، وخروجا عن الملة , وهو نفسه لا يقبل ان يلحق المؤمن الأذى بأخيه المؤمن .
مهم جدا ان ينبري علماء الأمة المغربية في هاته اللحظة الحرجة التي نعبرها لكي يوضحوا للمؤمنين أن درء المفسدة مسبق على جلب المصلحة….
مهم جدا أن يقول العارفون بالدين حقا ، الدارسون له ، الحافظون لكتاب الله تعالى للناس ان الله يوجد في كل مكان وأن الأصل في عبادة الصلاة هو الاختلاء بالخالق جل وعلا ومناجاته بصدق ، وأن كثيرا من مظاهر التدين الاجتماعي والجماعي التي نتخيلها ضربا من ضروب الدين هي مجرد تمظهرات لا أقل ولا أكثر .
أما التراويح فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يصليها بدون جماعة ولا طقوس كما نراها اليوم ، ولم تصبح كذلك الا مع الخليفة عمر بن الخطاب ، وبما أن الفاروق ليس مصدرا للسنة ، فإن أمر هذه الصلاة يبقى عادة أكثر منه عبادة .
اليوم حاجتنا للانصات لفقهاء ديننا من بني وطننا أي المتشبعين باسلامنا المغربي الوسطي المعتدل الخالي من مظاهر الغلو والتطرف ، السليم النية ، الصافي التوجه للخالق عز وجل هي حاجة ماسة لأننا أمضينا ردحا من الزمن استكان فيه بعضنا للأجنبي وأسلمه قياده .
فقدنا أو كدنا نفقد المرتكزات التي أسست علاقة المغربي بدينه وأتانا خوارج كثر بدين لا علاقة لنا به فرضوه علينا قسرا بديلا للاسلام الذي جبلنا عليه .
هؤلاء المغالون يتلقون اليوم الدروس تلو الدروس من المغرب والمغاربة أننا نعرف علاقتنا بخالقنا مباشرة دونما وسيط، وأننا نعرف مصالحنا الدنيوية ونسيرها أفضل من المتطرفين ووفق ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين : أنتم أعرف بشؤون دنياكم .
لعلها واحدة من أهم دروس هذا الوباء العالمي : أن نستعيد ثقتنا بعلمائنا وفقهائنا وان نفهم أخيرا أن كثيرا مما حرك في السابق ” فقهاء ” الحركات والجماعات اياها لم يكن من الدين في شيء بل كان السياسة كلها . فقط لا غير .
4_ نستقبل الشهر الفضيل والمعظم رمضان في ظروف أقل ما يقال عنها هذه السنة ، مثل السنة السابقة ، أنها استثنائية وخاصة من نوعها ، وذات طابع ترك بصمته على الجميع .
نستقبل شهر الصيام والقيام والعالم كله ، وليس أمة الإسلام وحدها ، يجتاز محنة وباء كبير أعاد ترتيب كل الأولويات دون أي استثناء ، وفرض على البشرية كلها _ بكل أعرافها ودياناتها وأجناسها وانتماءاتها التي كانت تبدو مختلفة متنافرة واتضح أنها متشابهة واحدة أمام المرض _ إعادة تربية من النوع القاسي والرفيع .
شهر رمضان لمن ينسى أو يتناسى ذلك ، فرض من ديننا الاسلامي ، الغرض الأول منه الاحساس بالضعيف ، لا البقاء جوعى وعطشى اليوم كله قبل التفاخر بالأكل والملابس وصور الذهاب الى الصلاة .
وشهر رمضان لمن ينسى أو يتناسى ذلك فرضه رب العباد على العباد ، لكي يحسوا بمن هو أقل منهم ، ولكي يطبقوا الآية الكريمة عن الذين في أموالهم حق للسائل والمحروم .
وشهر رمضان لمن ينسى أو يتناسى ذلك كان دوما وأبدا لدى المغاربة شهرا مقدسا حد عدم القبول المساس به وبتقاليده وشعائره ، وحد جعله لحظة توبة للجميع بمن فيهم العاصي الذي يمضي سنته كلها في التهاون في تطبيق الفرائض والسنن .
هاته السنة كما السنة السابقة، ومع الابتلاء الرباني المفروض على البشرية ، لا بأس من إعادة بعض ما يسميه المغاربة العريقون ” سيدنا رمضان ” الى الأصل الأول .
لا مفر من تذكر الفرض الديني في طبيعته الأولى . لا مفر من التخلص من التظاهر المتفاخر بأشياء لا تفاخر فيها وتمس جوهر هذا الفرض المقدس .
لا مفر من تذكر ضعفائنا خصوصا في هاته اللحظة الحرجة بالنسبة لأغلبيتهم .
لا مفر من العودة إلى ذواتنا والانكباب على اصلاحها وانتقاد أنفسنا عوض شغل البال بطوله في انتقاد الاخرين ، وفي تتبع عوراتهم وعيوبهم مما يحبل به مجتمعنا المعطوب نفسانيا .
لا مفر من الالتفاف حول العائلة الصغرى أولا ، تلك التي فرضت علينا كورونا أن نعود اليها أكثر من الوقت السابق لكي نربي الوافدين بعدنا على أمور نسيناها او تناسيناها في زحمة الجري وراء اللاشيء ووراء العدم ، ووراء أمور كانت تبدو لنا قبل زمن كورونا مهمة جدا ، واتضح اليوم ، وهذا الوباء يفرض حجره العام على الجميع أنها نافلة وغير ذات أهمية بل هي أتفه من التفاهة بكثير .
ربما هي نعمة كبرى ، أن نصوم ، كما صمنا رمضان الماضي ، هاته السنة على وقع هذا الابتلاء الشديد . فقد نمتلك تلك الفطنة التي لم نمتلكها في السابق من الأوقات : أن نمنح أرواحنا وأنفسنا فقط مهلة صغيرة للتأمل وللتفكير في كل شيء .

وبعدها سيعود لنا اختيار المضي في أي اتجاه نريده من الاتجاهين : اتجاه المواصلة في الأنانية المرضية المفرطة ، أو اتجاه الرهان على الخلاص الجماعي للانسانية كل الإنسانية دونما أي استثناء وذلك هو جوهر الدين المرسل الى العالمين ، وليس الى جنس بعينه أو طائفة بعينها .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*