المغرب و إسبانيا …و ملف الغازات السامة

 

د. وصفي بوعزاتي
و نحن نتابع الحوار الدائر بالبرلمان الإسباني هذه الأيام، و ما يدور من تراشق حاد بين الحكومة و المعارضة بسبب الأزمة السياسية بين البلدين الجارين المغرب و اسبانيا، و كيف أن برلمانيا تحدث في إحدى مداخلاته على الانحطاط الذي وصلت إليه اسبانيا في عهد هذه الحكومة، تبادرت إلى ذهني المقولة الشهيرة لأحد الشخصيات البارزة في حزب العمال الاشتراكي الإسباني إبان الهزيمة التي تكبدها الجيش الإسباني على يد المقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي في معركة أنوال الشهيرة سنة 1921، و هو إنداليسيو برييتو الذي قال في مجلس النواب : “نحن في أشد فترة من فترات الانحطاط الإسباني. فالحملة في أفريقيا هي وبدون مجاملة، فشل تام ومطلق للجيش الأسباني”.
و مباشرة بعد ذلك لجأت إسبانيا إلى إعادة تحديد سياستها الاستعمارية  تجاه منطقة الريف و انتهجت أساليب وحشية لقمع الثورة و لتثأر لما يناهز 13.000 قتيل من الجنود الإسبان و على رأسهم الجنرال سلفيستري وفقا لمعطيات رسمية إسبانية، لينتهي بها الأمر إلى استعمال أسلحة كيماوية في معركة غير متكافئة و بمساندة مباشرة من الحكومة الألمانية.
ففي عام 1924 كانت المرة الأولى التي تُسقط فيه طائرات  تابعة للجيش الاسباني لغاز الخردل، أي قبل عام واحد من توقيع اتفاقية جنيف “لحظر الاستعمال الحربي للغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات والوسائل الحربية البكتريولوجية”.
رغم أن إسبانيا و لحدود اليوم لم تعترف بعد بضلوعها بشكل مباشر في التجاوزات والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت ابان استعمار اسبانيا للريف بشكل خاص و لشمال المغرب بشكل عام. إلا أن العديد من الشهود العيان الإسبان أرخوا شهاداتهم كتابة كبيدرو توندرا بوينو Pedro Tonda Bueno في سيرته الذاتية La vida y yo (أنا والحياة)، التي نشرت عام 1974، و كذلك إغناسيو هيدالغو دي سيسنيروس في سيرته الذاتية بمؤلفه Cambio de rumbo (تغيير المسار)،و كيف أنه قاد شخصيا عددا من الهجمات الكيماوية بهذه المنطقة. أما المؤرخ البريطاني سيباستيان بالفور Sebastian Balfour، من كلية لندن للاقتصاد، في كتابه Deadly Embrace (عناق الموت)، أكد ثبوت استخدام واسع النطاق للأسلحة الكيماوية في هذه الحرب، متحققا من ذلك بعد دراسته للعديد من المحفوظات الإسبانية والفرنسية والبريطانية.

ووفقا لبحثه، فإن إستراتيجية القوات الأسبانية كانت هي اختيار المناطق المكتظة بالسكان كأهداف لقنابل الغازات السامة.

و بالمناسبة فأجدادنا يحكون كيف كانت الأسواق الأسبوعية أهدافا سهلة بالنسبة للطيران الإسباني و كيف كان الناس العُزّل يسقطون اختناقا و حرقا بسبب هذه الغازات السامة.
آخر مرة أثير فيها ملف الغازات السامة بالريف بشكل رسمي، كان سنة 2012،  إبان تولي رئيس الحكومة الحالي الدكتور سعد الدين العثماني لحقيبة وزارة الخارجية و التعاون، و الذي قال بمجلس النواب أن المغرب “يطالب إسبانيا بفتح حوار هادئ ومسؤول حول ملف استعمال الأسلحة الكيماوية في حرب الريف”.
الهدف من طرح هذا الموضوع الآن، لا يدخل البتة في إطار المزايدات السياسية و لا يجب اعتباره ورقة أخرى للتفاوض أو لتعميق الهوة بين وجهات نظر البلدين الجارين.

بل هي مسؤوليتنا كمغاربة أمام التاريخ و ما عاشه أجدادنا من بطش المستعمر آنذاك.

و هي كذلك مسؤولية حكومتنا في السعي وراء انتزاع اعتراف صريح بشكل رسمي لما اقترفته اسبانيا من إبادة جماعية في المناطق التي كانت تسمى آنذاك بالمغرب الإسباني.
الذاكرة لن تموت و الجرح لن يندمل إلا بعد الاعتراف و ما يترتب عنه من جبر  للضرر الجماعي، و اسبانيا مسؤولة و يجب أن تعترف بجرائمها تجاه الريف و أهله.
د. وصفي بوعزاتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*