هل من التفاتة للقيمين الدينيين؟ !

صار من المجحف وغير المنصف أن يتواصل تهميش القيمين الدينيين وتجاهل مطالبهم البسيطة والملحة، في ظل ما تتوفر عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التابعين لها من إمكانات مادية هائلة، تنفق منها سنويا أزيد من 14 مليار سنتيم على الأضرحة والزوايا قصد الاعتناء بها وتأمين استمرارها.

إذ تعتبر فئة القيمين الدينيين من بين الفئات الأكثر تضررا، بالنظر إلى ما تعيشه من معاناة وأوضاع مزرية، جراء ما تتلقاه من منح وتعويضات جد هزيلة، لا تصمد طويلا أمام تكاليف الحياة المرتفعة.

فضلا عن حرمانها من الضمانات المهنية وما تتعرض له من شطط في استعمال السلطة على أيدي بعض المسؤولين.
ولأن درجة الصبر لدى هذه الفئة المغبونة من “جند الله” تراجع إلى ما دون الصفر، بعد أن تدهورت أوضاعهم ووصلت إلى أدنى المستويات، وفقدوا على إثرها القدرة على المزيد من التحمل والسكوت، أو بصيغة أخرى وصل السكين العظم، فإنهم أبوا إلا أن ينتفضوا ضد واقعهم البئيس والمثير للشفقة، من خلال تنظيم وقفة احتجاجية وطنية أمام البرلمان يوم الاثنين 17 ماي 2021، بهدف إيصال صوتهم لمن يهمهم الأمر، غير مبالين بحالة الطوارئ الصحية التي فرضتها السلطات العمومية، لمواجهة تفشي جائحة “كوفيد-19″، رافعين شعارات تنادي بالإبقاء على شهادة التزكية، رفع الحيف الذي يلازمهم منذ سنوات والمطالبة بالإدماج في القطاع العام والاستفادة من جميع الحقوق الاجتماعية، شأنهم شأن باقي الموظفين، وإعادة إدماج المعزولين ورد الاعتبار لهم، خاصة أنه يوجد من بينهم خطباء وأئمة وعلماء مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة…
فهل من المعقول أن يظل القيمون الدينيون الذين يلعبون دورا مركزيا في نشر الوعي الروحي، ويساهمون بفعالية في تكريس الثوابت الدينية والوطنية في أوساط المواطنات والمواطنين، عرضة للإقصاء واللامبالاة، يشكون العوز وشظف العيش، في الوقت الذي لم يفتأ فيه ملك البلاد وأمير المؤمنين محمد السادس يولي الحقل الديني اهتماما خاصا منذ جلوسه على عرش والده المرحوم الحسن الثاني، ويحث المسؤولين على أن تحظى الشؤون الدينية بتدبير حكيم، وفق منظور حديث ورؤية رصينة يأخذان بعين الاعتبار تطور المجتمع، والسهر على تأهيل المؤسسات وتحسين مستوى العلماء والأئمة والخطباء في إطار استراتيجية وطنية متعددة الأبعاد، تهدف إلى تجديد الخطاب الديني والارتقاء بأداء المؤسسات والحرص الشديد على عدم الإخلال بأسس الهوية الروحية للبلاد والعباد؟
ترى أين نحن من تلك التوجيهات الملكية السامية؟ فالقيمون الدينيون من أئمة ومؤذنين وخطباء، البالغ عددهم حسب المعطيات المتوفرة حوالي 50 ألف شخص، والذين يشتغلون في 42 ألف مسجد تابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، لا يطالبون بأشياء تعجيزية وغير قابلة للتحقق حتى يتم تجاهلها ورفضها، وإنما ينادون فقط بالعيش الكريم والعدالة الاجتماعية، الحفاظ على الموروث الثقافي الخاص بنظام المشارطة، الحق في السكن الوظيفي، التعويض عن فقدان الشغل، وانتشالهم من الحالة المزرية التي يتخبطون في أوحالها، والتي تفاقمت بسبب تفشي جائحة كورونا التي فرضت قيودا أليمة ومن ضمنها إغلاق أبواب المساجد إبان الحجر الصحي الشامل، وجعلت أعدادا كبيرة منهم بلا مورد رزق. فهم يواجهون إهمالا ماديا وإجحافا معنويا، وإلا ما معنى أن يتلقى الإمام “أجرا” شهريا يتراوح ما بين ألف وألف وخمسمائة درهم، فيما المؤذن والخطيب لا يتجاوز دخلهما الشهري خمسمائة درهم؟ ثم بالله عليكم كيف لهؤلاء ضمان لقمة عيش نظيفة لأنفسهم وأسرهم بمثل هذا الفتات/الصدقات من وزارة تعتبر واحدة من أغنى وزارات المغرب، لما تتحصل عليه من مداخيل الأوقاف العامة وغيرها من الموارد المالية الكثيرة؟ أليس من الخزي والعار أن يضطر بعض القيمين الدينيين إلى انتظار ما يجود به عليهم المحسنون أو مزاولة حرف أخرى بتواز مع مهامهم لتدبر أمور حياتهم، كالذهاب مثلا إلى المآتم ومناسبات الأفراح لتلاوة ما تيسر من القرآن وغيره مقابل دريهمات معدودة؟ وهل بمثل هذه الصورة يمكن حفظ كرامة هذه الفئة من المواطنين كما يدعو إلى ذلك عاهل البلاد؟
إنه لمن المحزن أن تكون الأوضاع الاجتماعية المتردية للقيمين الدينيين خارج اهتمامات الوزارة الوصية، وهي تعلم أكثر من غيرها أنهم من خيرة أبناء المجتمع أو بمثابة إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليه صرح الإصلاح الديني، كما صرح ذلك أحد المهتمين بالشأن الديني.

وأنه لا يجوز بأي حال التنكر لأدوارهم الريادية وأن تقابل جهودهم واجتهاداتهم بالجحود، ويطالهم النسيان طوال هذه العقود.

حيث أنه وبالرغم من وضع قانون خاص بهم وإحداث مؤسسة محمد السادس للعناية بشؤونهم الاجتماعية والزيادة في قيمة التعويضات الممنوحة لهم، فإن ذلك مازال دون مستوى انتظاراتهم ولا يتواءم مع حجم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المجتمع خلال السنوات الأخيرة.
إن القيميين الدينيين بحاجة ماسة ليس فقط إلى بذل المزيد من الجهد من أجل تحسين أوضاعهم الاجتماعية ومنحهم الحق في التعبير وإبداء الرأي، بل كذلك إلى الكثير من الرعاية الحسنة وحفظ الكرامة، وفسح المجال أمامهم لإبراز الذات والكشف عن مؤهلاتهم وقدراتهم. والعمل على صقل مواهبهم وتقوية عزائمهم في اتجاه تغيير تلك النظرة السلبية التي تنتقص من شأنهم، دون إغفال دعمهم ماديا ومعنويا وتشجيعهم على ما يقومون به من جهود في إشاعة الثقافة الإسلامية المعتدلة، وتوحيد كلمة المواطنين على الخير والصلاح، وترسيخ قيم التعاون والتضامن والتآزر في أذهانهم.
اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*