لست مع الحلول القصوى

لست مع الحلول القصوى

عبد السلام المساوي
ليس ممكنًا حصول الإجماع المطلق، بين بني البشر، حول أي قضية من القضايا الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، لأن التعدد الواقعي، في صفوف المجتمعات البشرية، باختلاف مواقعها وخلفياتها الفكرية والسياسية، يمنع حدوث مثل هذا الإجماع، وإن ظل التطلع إلى التماهي معه يراود الكثيرين، باعتباره قيمة مثلى تشكل حافزًا أساسيًا على تجاوز قضايا الخلاف والتنازع الأساسية، والتعود على الممارسة على أسس الأرضيات المشتركة، أو الوسطى، القادرة على جسر المسافة بين ما هو واقعي وما هو مأمول.

أي بين ما تتيحه الرغبة، ويشمله الخيال، من جهة، وبين ما تفرضه معطيات الواقع، ويدخل ضمن مكنة واستطاعة الفاعل، في ذلك الواقع، من جهة أخرى.
لكن يبدو أن معارك الإمساك على محددات الحلول الوسطى، أشرس وأعوص من معارك إعلان المواقف القصوى، حتى ولو كانت باسم نُشدان الإجماع المطلق.
ذلك أن البحث عن التماهي في المواقف، قد يؤدي إلى إعدام ما لا يدفع باتجاهه، من مواقف وآراء، وهو ما يتولد عنه، بالأساس، منطق التخوين والتخوين المضاد.
وهل هناك أسهل من الانزلاق إلى هذا المنطق، مقارنة بمعارك البحث عن الأرضيات المشتركة، القائمة على الحدود الدنيا، القابلة للتطوير، على الدوام، بما يضمن التقدم في التصورات كما في الممارسات؟
أعتبر نفسي من المنتصرين للحلول الوسطى، حتى ولو اعتبرها البعض “أنصاف الحلول” التي قد ينظر إليها بمنظر سلبي وشبه مدان، ولست مع الحلول القصوى، ولو تم النظر إليها، من قبل البعض، بأنها الحلول الجذرية، أو الراديكالية، ذات الحمولة الأيديولوجية المعروفة، وكال لها هذا البعض أطنان التقريظ والمديح.
يوجد في مجالات الفكر والسياسة ما يمكن اعتباره عدمية في مجاله، وخاصة داخل الحقل السياسي. وتقوم هذه العدمية على ما يمكن النظر اليه بانه غياب الجدوى وانعدام المعنى لكل عمل سياسي او اي قيم عليا تؤطر المجتمعات وتحدد لها بوصلتها. والعدمية السياسية في بعدها هذا شكل من أشكال الفوضوية التي ترفض كل مؤسسة تساهم في تأطير المجتمعات على اي مستوى من المستويات، وأساسا مؤسسة الدولة بمختلف اجهزتها.
غير ان الملاحظ اليوم ان هذا البعد الفكري والنظري اصبح غائبا تماما ليفسح المجال امام نوع من العدمية الجاهلة، كما يتبين من خلال بعض الشعارات التي يرددها الكثيرون لتبرير انعزالهم عن الحياة السياسية.
وهنا تكمن الطامة الكبرى.

ذلك ان هذه العدمية الجاهلة تمنع حتى إمكانية مقارعتها على المستوى الفكري والسياسي لانها عدمية دون أفق تماما.
ليس بإمكان من ينطلق من تصورات يعتقدها ثابتة لقراءة الواقع المتغير أن يقوم بقراءة موضوعية ومطابقة لمقتضيات الواقع.

ليس بسبب عدم قبول الواقع المتغير فكرة الثبات على حال فحسب، وإنما أيضا لتهافت منطق الثبات في تصورات الانطلاق وفساد المسلمات التي يقوم عليها.
إن الواقع قادر على كشف هذا التهافت بطبيعة الحال، غير أن عقل تلك التصورات التبريري لا يسمح بطرح مسألة مسلماته على بساط البحث والتمحيص.
وهكذا يحرم نفسه من إمكانية القيام بالمراجعات الضرورية لكل تقدم في مقاربة الواقع ولمساءلة التصورات في ضوئها في آن معا.
والمحصلة النهائية التخبط والإبداع فيه أحيانا

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*