بصدد أول خريطة أثرية مغربية……تتويج لمسار البحث الأثري الوطني
د. إبراهيم إغلان
خبر سار، هذا الذي تداولته وسائل الاعلام المغربية والأجنبية نهاية هذا الأسبوع، والذي كان مصدره وزارة الشباب والثقافة والتواصل، ويتعلق الأمر بأول خريطة أثرية مغربية.
كان على البحث الأثري بالمغرب انتظار سنوات، بل عقود من الزمن، لكي يحصل مؤخرا على خريطة اثرية مغربية، بالشكل الذي ورد في الخبر أعلاه.
وقد سبق أن نشرنا منذ عشرين سنة مرت مقالا حول “الخريطة الأثرية بالمغرب: أسئلة وآفاق”.
وقد تساءلنا من خلاله، كيف يمكن الحديث عن مشروع خريطة اركيولوجية في المغرب؟ ما هي الغاية أو الغايات من وضع خريطة أثرية مغربية؟ هل نريدها خريطة لاعتبارات إدارية تنحصر فقط في جرد كل المباني التاريخية والمواقع الأثرية المعروفة داخل المدن والبوادي؟ أم نريدها خريطة لاعتبارات وقائية واقتصادية تضع رهن إشارة المقاولات وأصحاب القرار في مجال التهيئة الترابية كل المعطيات الضرورية لصياغة وتنفيذ مشاريعهم دون هدم وإتلاف بقايا التراث الأثري؟ أم نريدها خريطة لاعتبارات علمية قبل كل شيء، تتضمن ما يكفي من المعلومات التي يحتاجها الباحثون في تحرياتهم الأثرية ودراساتهم التاريخية ؟ ثم ألا يستوجب على قطاع تدبير التراث الأثري التفكير استراتيجيا في وضع برنامج عمل، يروم جمع كافة المعطيات حول المواقع الأثرية لتعيينها على خريطة، تتوخى الشمول والدقة وتوحيد الرموز المستخدمة على مستوى التراب الوطني؟
كانت هذه بعض الأسئلة، وغيرها، طرحت وقتئذ ، في ظل غياب واضح لتصور فكري، وعلمي، وسياسي للقطاع المسؤول على تدبير التراث الأثري، على الرغم من كل المحاولات الايجابية التي قام بها قطاع لثقافة، ممثلا في المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث ومديرية التراث الثقافي والمديريات الجهوية، إلى جانب دورا لكليات الجامعية المنتشرة في مختلف المدن.
واليوم، يتحقق هذا المشروع العلمي، الذي ظل مطلبا مركزيا للبحث الأثري بالمغرب، بفضل شراكة ناجحة وناجعة بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل، أقصد قطاع الثقافة، و الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية في إطار جرد التراث الثقافي الوطني وحسن تدبير المعالم والمواقع الأثرية. إنه مشروع أول خريطة أثرية مغربية، والذي تطلب عملا متواصلا من قبل المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث ومديرية التراث الثقافي. امتد لسنوات، حيث تم استجماع البيانات والمعطيات بفضل العمل الميداني، سواء على مستوى المسوحات أو التنقيبات الأثرية، أو على مستوى عمليات جرد التراث الثقافي.
ولتقريب القارئ من مفهوم الخريطة الأثرية، نشير إلى أن هذا المفهوم ارتبط بالبحث الأركيولوجي، فالخريطة الأثرية، إلى جانب كونها تضم معلومات عن مواقع أثرية وتاريخية، تم اكتشافها ، بشكل أو بآخر، في جهة ما أو على المستوى الوطني، فإنها تشكل أداة أساسية لتدبير المجال الترابي، لتكون رهن إشارة الجماعات المحلية والفاعلين في قطاعات التعمير والتهيئة وغيرها. ويمكن تحديد أهم الأهداف من وراء انجاز خريطة أثرية، كالتالي:
– صيانة وإدارة التراث الأركيولوجي؛
– جمع وترتيب الأعداد الهائلة من المواقع المكتشفة والقطع الأثرية؛
– إنقاذ المواقع الأثرية المهددة بفعل الزحف العمراني المتزايد والمشاريع التنموية؛
– حماية المواقع الأثرية من الأخطار البيئية المحيطة بها؛
– توفير مادة علمية للباحثين والطلبة؛
– المساهمة في السياحة الثقافية.
لذا فضرورة توثيق وحماية وإحياء هذه المواقع للأجيال القادمة، مسؤولية القطاع الوصي على تدبير التراث الثقافي.
كيف تم وضع خريطة أثرية وطنية، تشمل المعطيات الجزئية أو الكلية حول مختلف المواقع الأثرية الموجودة فوق سطح الأرض أو المغمورة بالمياه، والمنتشرة في مجموع التراب الوطني؟
يبدو أن المؤسستين المسؤولتين، إداريا وعلميا، على هذا المشروع، وأعني بهما: المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث ومديرية التراث الثقافي، لا يمكنهما تحقيق خريطة أثرية مغربية، إلا بتدابير أساسية، وهي فيما أعتقد:
أولا: وضع استراتيجية تتحدد فيها المرجعيات القانونية، والإطار العام، والمضمون، والأهداف، وفريق العمل، والمدة الزمنية للإنجاز؛
ثانيا: الاستئناس بتجارب متقدمة في هذا المجال، وخاصة على مستوى الخريطة الأركيولوجية الرقمية؛ ثالثا: متابعة كل ما نشر من الأبحاث الأثرية المنجزة، في مسار البحث الأثري بالمغرب، من قبل الباحثين الأجانب الذين قاموا بعمليات المسح والتنقيب في العديد من المواقع ، أو تلك التي قام ويقوم بها الباحثون المغاربة، والتي منحت للبحث الأثري الوطني نتائج غير متوقعة في التاريخ البشري والحضاري، وطنيا وإقليميا وعالميا؛
رابعا: توفير الدعم المادي والبشري (متخصصون في علم الآثار، تقنيون في المعلوميات وغيرهم..)؛
خامسا: اختيار البرامج المعلوماتية المناسبة لتنزيل كل المواقع الأثرية على الخريطة ، بحيث يضم كل موقع مجموعة من البيانات الأساسية .
بقي أن نشير أن إشكالية الخريطة الأثرية المغربية، مع تقديرنا لهذا المنجز التاريخي الذي يحسب للمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث ومديرية التراث الثقافي، قد سبق وأن طرحت في مناسبات عديدة، بل شكلت قضية الخريطة الأثرية هاجسا مقلقا للباحثين المغاربة منذ الندوة العلمية التي نظمت بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط (عام 1997)، شارك في فعاليتها أكثر من عشرين باحثا من المعهد الوطني لعلوم الآثار، ومن مديرية التراث الثقافي، ومن بعض الكليات التابعة لجامعات القنيطرة، المحمدية، مكناس، وعين الشق بالدار البيضاء. وشمل برنامج هذا اللقاء العلمي ثلاثة محاور أساسية:
خصص المحور الأول لمقاربة مفهوم الخريطة الأثرية؛ والمحور الثاني لسؤال المنهج في البحث والإنتاج، المشاكل والتصورات؛ بينما ضم المحور الثالث أربع جلسات، صنفت بدورها حسب الفترات الثقافية الحضارية التي عرفها المغرب (ما قبل التاريخ – ما قبل الإسلام – الفترة الإسلامية). ولا شك أن المحاولات والاجتهادات ظلت متواصلة ومتجددة لتحقيق هذا المشروع المؤجل.
واليوم، ونحن نعيش على وقع خبر إنجاز أول خريطة أثرية مغربية، لا يمكن إلا نقف احتراما وتقديرا إزاء كل من كان وراء هذا العمل، ابتداء من السيد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، والصديقين: عبد الجليل بوزكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الاثار والتراث، و مصطفى اجلوق، مدير التراث الثقافي بقطاع الثقافة، وأيضا فريق العمل من المؤسستين، إلى جانب الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، وإلى كل من ساهم في تنزيل هذا المطلب القديم والجديد، خدمة للمعرفة الأركيولوجية وتثمينا للتراث الثقافي الوطني.
