هل سيغربل المواطن الصناديق الانتخابية من «فراقشية الحياة»؟

فنجان بدون سكر:

هل سيغربل المواطن الصناديق الانتخابية من «فراقشية الحياة»؟

بقلم عبد الهادي بريويك

بعد مرور سنوات على انتخابات شتنبر 2021، يجد المواطن نفسه أمام حصيلة ثقيلة من الأسئلة أكثر من الأجوبة.

فبين الوعود الكبيرة التي رفعت خلال الحملات الانتخابية والواقع الاجتماعي الذي يعيشه ملايين المواطنين، اتسعت هوة الثقة، وتعمق الشعور بأن صناديق الاقتراع لم تنجح بعد في إنتاج النخب القادرة على تحويل الآمال إلى سياسات ملموسة.

لقد دخلت شرائح واسعة من المغاربة انتخابات 2021 وهي تتطلع إلى مرحلة جديدة عنوانها تحسين القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وفتح آفاق الشغل أمام الشباب.

غير أن مؤشرات الهشاشة الاجتماعية واستمرار معاناة فئات واسعة مع غلاء المعيشة وتحديات التشغيل جعلت كثيرين يتساءلون: أين ذهبت الوعود التي ملأت الساحات والمنصات والفضاءات الرقمية؟

المشكلة ليست فقط في الحكومات أو الأحزاب، بل في ثقافة انتخابية سمحت لسنوات طويلة بصعود ما يمكن تسميتهم بـ”فراقشية السياسة”، أولئك الذين يجيدون التنقل بين المواقع والمصالح أكثر مما يجيدون تقديم الحلول. يظهرون عند كل موعد انتخابي بخطابات براقة، ويختفون عندما يحين موعد المحاسبة.

يتقنون لغة القرب من المواطن خلال الحملات، لكنهم يصبحون بعيدين عن همومه بعد إعلان النتائج.

لقد كشفت السنوات الأخيرة أن الفقر لا يصنعه فقط ضعف الموارد، بل يصنعه أيضا ضعف الحكامة، وغياب الجرأة في اتخاذ القرارات التي تضع المصلحة العامة فوق الحسابات السياسية الضيقة.

فعندما يشعر المواطن بأن حياته اليومية لم تتغير رغم تغير الوجوه والشعارات، فإن أول ما يتآكل هو رصيده من الثقة في العمل السياسي برمته.

واليوم، ومع اقتراب استحقاقات جديدة، لم يعد السؤال: من سيقود المشهد السياسي؟ بل أصبح: هل تعلم المواطن من دروس الماضي؟ وهل سيمنح صوته بناء على البرامج والحصيلة والإنجاز، أم سيعيد إنتاج نفس الاختيارات التي أوصلت بعض الوجوه إلى مواقع القرار دون أن تترك أثرا يوازي حجم الوعود التي قدمتها؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي ديموقراطية ليس صعود حزب أو سقوط آخر، بل انتشار القناعة بأن الانتخابات لا تغير شيئا في حياة الناس.

لذلك فإن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة هو أن تتحول صناديق الاقتراع إلى آلية صارمة للمحاسبة الشعبية، لا إلى مناسبة موسمية لتبادل الشعارات.

فإذا كان الفقر والهشاشة وغلاء المعيشة قد أصبحت عناوين يومية في حياة فئات واسعة من المواطنين، فإن المسؤولية السياسية تقتضي مساءلة كل من طلب الثقة باسم التغيير.

وعندها فقط يمكن للمواطن أن يغربل الصناديق من “فراقشية الحياة”، وأن يبعث برسالة واضحة مفادها أن زمن الوعود المجانية قد انتهى، وأن الشرعية الحقيقية لا تمنح بالخطب الرنانة، بل تُكتسب بخدمة الناس وتحسين أوضاعهم.

وإلى أن يحين موعد الاقتراع المقبل، سيظل السؤال معلقا في وجدان الشارع: هل ستكون الانتخابات القادمة محطة لتجديد الأمل، أم مجرد فصل جديد من مسلسل الانتظارات المؤجلة مع ميلاد فراقشية جدد أو مخضرمين من العهد السابق؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*