تهلى فولادك وفبلادك.
كتبها: احمد الدافري
عندما تقدمنا في منتصف ثمانينيات القرن الماضي إلى السيد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، أنا وشقيقتي خديجة، بملف كامل حول هذا الرجل المقاوم المسمى عبد الكبير الركًراكًي الدافري، قال لنا موظف مسؤول في المندوبية السامية:
فين هو هاذ السيد؟
قلنا له :
هو موجود في عمله يمارس وظيفة حارس الغابة، ويتعذر عليه أن يترك عمله في الغابة ويأتي، ونحن ابنه وابنته، تكلفنا بأن نضع لديكم ملفه.
قال لنا :
ولماذا تأخرتم طوال هذه المدة؟
قلنا له :
هو دائما منشغل في عمله منذ أن بدأ عمله سنة 1957. ولم يكن يعطي اهتماما لموضوع البطاقة.
فقد عمل في غابات القصر الكبير، والعرائش، وتطوان وشفشاون.
وهو الآن يقترب من التقاعد. وأراد أن يحصل على البطاقة، بعد أن علم أنها ربما ستفيده.
بدأ موظف المندوبية السامية يفحص الوثائق في الملف.
قلنا له:
تجدون في الملف كل الوثائق.
تجدون ورقة خروجه من السجن المركزي بالقنيطرة بعد عودة الملك الراحل محمد الخامس من منفاه وإطلاق المقاومين وأعضاء جيش التحرير من السجون.
وتجدون نص الحكم الذي تم النطق به في حقه في المحكمة العسكرية الفرنسية بالدار البيضاء التي بدأت يوم 22 يونيو 1954 وانتهت في 5 يوليوز 1954.
وتجدون في وثيقة الحكم أن عبد الكبير بن الركُراكي الدافري الذي كان اسمه الحركي “عبد الكريم” في المنظمة التي سماها الفرنسيون “اليد السوداء La main noire” قد تم الحكم عليه بسبع سنوات من الأشغال الشاقة، على أساس أن يتم نفيه خارج أرض المغرب لمدة عشر سنوات Interdiction de séjour au Maroc بعد انقضاء مدة الحكم.
وتجدون صور المحاكمة وهو يوجد بين أعضاء “اليد السوداء” المعتقلين، يحمل الرقم 52، ومن بين المعتقلين المقاوم أحمد الراشدي الذي تم الحكم عليه بالإعدام، وتم تنفيذ الحكم عليه رميا بالرصاص، بعد أن تم اعتقاله وفي يده المسدس الذي قتل به أحد الخونة الذين كانوا يتعاملون مع سلطات الاستعمار الفرنسي ويشتغلون مخبرين لديها، بتقديم معلومات عن المقاومين.
وتجدون اسمه ضمن لائحة بأسماء المقاومين الذين تم توظيفهم ضمن الوظيفة العمومية.
وتجدون قرار توظيفه عونا حارسا للغابة، موقعا بتاريخ 11 نوفمبر 1957، مكتوبا باللغة الإسبانية، موجها لإدارة المياه والغابات بتطوان التي كان مازال يديرها مندوب إسباني.
وتجدون أن القرار صادر باسم وزير الفلاحة حينذاك، واسمه الحاج عمر بن عبد الجليل.
وتجدون أن الذي وقع قرار التعيين نيابة عن الوزير هو مدير ديوان الوزير، واسمه حسب ما هو في الوثيفة : بنشقرون.
وتجدون وثيقة تتضمن جردا بأنشطته ضمن المقاومة في الدار البيضاء، في إطار الخلية التي كان قد أسسها الشهيد محمد الزرقطوني، وكان اسمها : جماعة الجهاد لتحرير البلاد، وهو الاسم الذي رفضته سلطات المستعمر الفرنسي، وسمتها في محاضرها : منظمة اليد السوداء، كي تضفي عليها طابع عصابة إجرامية.
وتجدون الطلب الموجه إلى السيد المندوب السامي من أجل أن تستخرجوا له بطاقة المقاوم.
بعد مدة، رجعت وحدي إلى المندوبية السامية، كي أتعرف على الجواب عن الطلب.
قيل لي :
الطلب مرفوض، لأن آخر أجل لتسجيل طلب الحصول على بطاقة مقاوم قد انتهى منذ سنوات.
نحن لا نتوفر على بطاقة مقاوم الوالد.
لأنه قيل لنا : لكي نعترف بأن والدكم كان مقاوما، لا تكفي هذه الوثائق. لقد كان عليه أن يتقدم بالطلب قبل غلق باب الطلبات.
لا مشكلة على الإطلاق.
أبناء عبد الكبير الركراكي الدافري لم يحصلوا على وظيفة بالكوطا المخصصة لأبناء المقاومين.
لم يكونوا في حاجة إلى ذلك.
هم مكتفون بأنهم يحملون جينات رجل صلب مقاوم.
قبل أن يغادرنا إلى دار البقاء، كنت جالسا أتأمل في وجهه الذي أكله المرض، فسمعته يسأل بصوت خافت :
شكون حدايا؟
قلت له :
أنا أحمد آ بّا.
فقال لي بنبرة مفعمة بالحنان :
الله يرضي عليك آولدي.
تهلى فولادك وفبلادك.
الله يوصلنا عليك بميزان خفيف من الذنوب.
وهذا ما كان.


