حينما يقوم الفايسبوكيون بدور القطب العمومي: آيت بوگماز تفضح زيف الدولة الاجتماعية

فنجان بدون سكر:

حينما يقوم الفايسبوكيون بدور القطب العمومي: آيت بوگماز تفضح زيف الدولة الاجتماعية:

بقلم عبد الهادي بريويك

في مغرب المفارقات، أصبح الفايسبوكيون – ناشطون، مدونون، ساكنة يحملون هواتفهم الذكية كمنابر – هم من يقومون بدور القطب العمومي في نقل الحقيقة، ومؤازرة المواطن، وكشف الغطاء عن واقع لم يعد الإعلام الرسمي يجرؤ على الاقتراب منه.

حين خرجت ساكنة آيت بوگماز في مسيرة شعبية سلمية تطالب بحقوقها الدستورية، لم تنقل القنوات شيئًا.

لم تُرسل مراسليها.

لم تُخصص حتى دقيقة.

لكن على الفايسبوك، انفجرت الحقيقة: صور، شهادات، مطالب واضحة، ووجوه تروي يوميًا معنى الإقصاء والتهميش.

في زمن الدولة الاجتماعية، يُفترض أن يكون المواطن في قلب القرار العمومي.

لكن في آيت بوگماز، المواطن في قاع الاهتمام، في هامش الوطن، في فراغ الدولة. المسيرة التي نظمها أبناء المنطقة لم تكن مجرد احتجاج، بل كانت صرخة جماعية ضد سياسة حكومية قامت بتفريغ “الدولة الاجتماعية” من كل مضمون، وتفريغ المواطن من كرامته وهويته الإنسانية.

سياسة اجتماعية بلا عدالة مجالية؟

الحكومة، تحت شعار “الدولة الاجتماعية”، روّجت لجملة من السياسات: الحماية الاجتماعية، دعم الأسر، النهوض بالصحة والتعليم… لكنها تجاهلت حقيقة أن هذه الأهداف لن تُحقق أبدًا في ظل استبعاد مناطق بكاملها من الحد الأدنى من البنية الأساسية والخدمات.

آيت بوگماز ما تزال بدون طبيب قار، بدون مدرسة جماعية لاحتضان الفتيات، بدون طرق صالحة للسير، ولا حتى ماء صالح للشرب.

هل يمكن الحديث عن “الكرامة الاجتماعية” في مكان لا يجد فيه الإنسان قطرة ماء نظيفة؟

من التهميش إلى الإهانة: المواطن يفقد إنسانيته

ما يجري في آيت بوگماز ليس فقط فشلاً تنمويًا، بل إهانة بنيوية للإنسان المغربي.

حين تُترك النساء الحوامل بدون سيارة إسعاف، والأطفال بلا تعليم، والشباب بلا أفق، فإن الحديث عن الدولة الاجتماعية يصبح مجرد خطاب فارغ.

والمثير للأسى أن من يُفترض أن يكونوا حماة لهذه الحقوق – الحكومة، البرلمان، الإعلام الرسمي – التزموا جميعًا صمتًا لا يليق.

المسيرة الشعبية: تأريخ بلغة الكرامة

المسيرة الشعبية التي نظمتها ساكنة آيت بوگماز لم تطلب صدقات، بل طالبت بما يضمنه الدستور المغربي نفسه.

الحق في الصحة، في التعليم، في البنية التحتية، في العيش الكريم. لكن الدولة لا تُصغي إلا حين يُكسر الصمت، وحين تُحرَك الشوارع.

واللافت أن هذه الحركة الاحتجاجية لم تتبنَّ شعارات حزبية، ولا مطالب فوقية، بل بلورت بشكل عفوي جوهر ما يجب أن تكون عليه “الدولة الاجتماعية”: استجابة حقيقية لحاجات الناس، لا واجهة لتجميل السياسات.

ما لا يُنقل في التلفزيون، يُكتب على جدران الوعي الشعبي

في الوقت الذي فشلت فيه وسائل الإعلام الرسمية في نقل صوت الهامش، قام الفايسبوكيون، والمواطنون العاديون، بذلك الدور النبيل: كشف الزيف، وتوثيق الألم، وصياغة الأمل. آيت بوگماز اليوم هي مرآة لكل مناطق المغرب المنسي، وصوتها لن يُخمد ما دامت الدولة مستمرة في سياسات الإنكار.

الدولة الاجتماعية لا تُبنى بالبلاغات، بل بالإنصاف. والمواطن لا يُختَزل في رقم انتخابي أو مستفيد من “تحويل مالي”، بل هو كائن له حق في الوطن، بكل ما تعنيه الكلمة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*