نعي الصحافة المغربية وكتابة شهادة وفاة مهنة الصحافة المستقلة في المغرب

فنجان بدون سكر:

نعي الصحافة المغربية وكتابة شهادة وفاة مهنة الصحافة المستقلة في المغرب

بقلم : عبد الهادي بريويك

في لحظة لا تخلو من رمزية حزينة، يبدو أن الحكومة المغربية قد قررت أن تقرأ الفاتحة على ما تبقى من حرية الصحافة.

مشروع القانون الجديد المتعلق بتنظيم قطاع الإعلام، الذي بدأ يتسرّب إلى الرأي العام، لا يترك مجالاً للشك في نوايا السلطة: تضييق الخناق، شرعنة الرقابة، وتجريم الأصوات الحرة باسم التنظيم ومكافحة “الأخبار الزائفة”.

لقد بدا واضحًا أن هذا المشروع لا يسعى إلى تطوير المشهد الإعلامي كما تزعم الخطابات الرسمية، بل يسعى إلى ضبطه وربطه بحبال قصيرة تشدّه إلى السلطة التنفيذية. فاللغة القانونية التي اعتمدها المشروع، والمفاهيم الفضفاضة التي تم تضمينها فيه، تفتح الباب واسعا أمام التأويل السياسي، وتضرب في العمق ما تبقى من استقلالية الصحافة، في تناقض صارخ مع الدستور المغربي نفسه، الذي يفترض أنه المرجعية الأعلى للتشريع.

أخطر ما في مشروع القانون ليس فقط مواده الزجرية، بل منطقه العام: اعتبار الصحافي خصما، والإعلام ساحة تهديد، وحرية التعبير خطرا يجب احتواؤه.

بهذا المنطق، يتحول الصحافي من فاعل مدني يسائل السلطة إلى متهم محتمل ينبغي مراقبته وتطويقه، ليس بالقانون فقط، بل بترسانة من الإجراءات الإدارية والمالية التي تجعل الاستمرار في المهنة ضربا من ضروب المقاومة.

ما يدعو للقلق أكثر هو أن هذا المشروع يتضمن خروقات واضحة للدستور. فالفصل 25 من الدستور المغربي يضمن حرية الرأي والتعبير، لكن المشروع يضع قيودا فضفاضة على المحتوى الصحفي بحجة حماية النظام العام، دون تعريف دقيق لما يشكل تهديدًا له. الفصل 28 يضمن حرية الصحافة ويمنع الرقابة القبلية، لكن المشروع يمنح للإدارة سلطة التدخل في منح التراخيص وسحبها، مما يعيدنا إلى زمن الوصاية الأمنية. بل ويتعدى ذلك إلى تهديد مبدأ قرينة البراءة، بإمكانية فرض عقوبات وغرامات دون اللجوء إلى القضاء أو انتظار حكم نهائي، في تجاوز خطير للفصل 23 من الدستور.

أكثر من ذلك، المشروع يضرب في العمق مبدأ التعددية والتنوع، الذي تتغنى به ديباجة الدستور، من خلال فرض شروط مالية وإدارية تعجيزية على إنشاء المقاولات الإعلامية، مما يحصر المشهد في مؤسسات كبرى قريبة من السلطة أو ذات تمويل خارجي، ويقصي الإعلام المحلي والمستقل الذي يمثل نبض المجتمع الحقيقي.

ليست هذه أزمة قانونية فقط، بل أزمة سياسية بامتياز. إنها تعبير عن انزعاج السلطة من صوت الصحافة، ومحاولة لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي ليصبح مرآة تعكس رغباتها لا مرآة تعكس الواقع. وفي هذا السياق، يبدو أن المغرب ينقلب على مكتسبات سنوات من الإصلاح الديموقراطي، ويعيد إنتاج مناخ من الخوف والرقابة الذاتية والكمامات القانونية.

أمام هذا الوضع، لا يكفي التنديد ولا الاستنكار. المطلوب هو تحرك جماعي من الجسم الصحافي، والحقوقيين، والمجتمع المدني، لوقف هذا التراجع الخطير.

فالقانون، حين يتحول إلى أداة للقمع بدل أن يكون وسيلة لحماية الحقوق، يفقد مشروعيته، ويُفقد الدولة نفسها ما تبقى من رصيد الثقة.

إنه نعي حقيقي لحرية الصحافة، لكن الأمل ما يزال قائما إذا ما وُجدت الإرادة للرفض والمواجهة.

لأن الصمت اليوم، سيكون بمثابة موافقة ضمنية على دفن الحرية، وكتابة شهادة وفاة مهنة الصحافة المستقلة في المغرب.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*