هواجس اتحادية
مصطفى تارجوانت (الناظور)
لا أعتقد أن حزبا من الأحزاب المغربية، عرف من الجدل والنقاش السياسي أكثر مما عرفه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ أن قطع الحبل الصري الذي كان يربطه بأصله، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الآن.
مع اقتراب كل محطة سياسية أو تنظيمية، تشحذ الأفكار وتسن الشعارات، ويحدد الخصوم، وتشتغل الكواليس وتبدأ الحرب، لتنتهي بلا غالب ولا مغلوب، فتقوم لجنة (الحكماء) أو بالأحرى الترشيحات، بالترضيات اللازمة للأطراف المتنازعة على مقاعد الهياكل الحزبية من مكتب سياسي ولجنة مركزية أو تزكية للترشح وغيرها.. حفاظا على ما تبقى من جسد الاتحاد.
ولا تنتهي هذه الحروب التي واكبت مسار هذا الحزب دون أن تترك ندوبا آثارها لازالت مستمرة إلى الآن. لتؤجل إلى المحطات القادمة، وهكذا دواليك.
كل مؤتمرات الحزب، رغم تعدد لجانها، تكاد تختزل في اللجنة التنظيمية. هو فعل يعكس حالة من الهلع، لدى مناضلي هذا الحزب، مخافة أن يُجَدَّفَ بهم خارج المشروع الاتحادي الطموح، الذي يختزن حيزا غير يسير من تراث اليسار، ويتطلع إلى بناء مجتمع تسوده الديموقراطية والعدالة الاجتماعية.
حتى بلغ الأمر بقطاع عريض من الاتحاديين إلى المبالغة في تمجيد وثيقة التقرير الإيديولوجي، و تقديس شهداء الحزب، الشيء الذي جعل الحزب يدخل حالة من السلفية/ الأصولية الغريبة، لا تمت بصلة إلى( التحليل الملموس للواقع الملموس) ولعل النبش في هذه الزاوية، سيجعلنا نقترب أكثر من فهم ما يجري في الاتحاد الاشتراكي اليوم.
لا أعتقد أن الأمر يتعلق بزلة تنظيمية عابرة، أو بصراع حول الزعامة، بل علينا أن نذهب إلى أبعد من ذلك في تشخيص الأزمة واعتبارها بنيوية تتجاوز حدود الأشخاص.
إن ما يمور داخل رحم هذا الحزب من أحداث وحروب معوية لا علاقة لها بالمشروع الاتحادي الأصيل، هل نحن أمام علامات دالة على بداية نهاية هذا الصرح الذي طالما بنت عليه الطبقة المتوسطة، أمل القفزة المأمولة نحو مجتمع ديمقراطي حداثي.؟
هل يمكن اعتبار هذا الخلل بداية أعراض لذات حزبية مرهقة / مريضة؟
وهل يعقل أن ينتهي حزب بدأ مشواره السياسي، بالتراجيديا عبر تقديم شهداء ومعتقلين، من مناضليه، كالمهدي بن بركة وعمر بن جلون وع.الرحيم بوعبيد، وكرينة وغيرهم. الى مهزلة!؟
إن ما يتقاطر من تقارير وأخبار، عن المؤتمرات الإقليمية المفبركة، وما يفهم من تدوينات وتغطيات وكتابات متشائمة، لمناضلين لا يمكن الشك في مصداقيتهم، ليعكس المستوى الدراماتكي الذي بلغه حزب القوات الشعبية.
من الجدل الفكري والنقد الثقافي والتنظير والتأطير السياسيين، إلى شكل سياسي هجين، تدار فيه السياسة بمنطق الهيمنة والزبونية.
خصوصا بعد مشروع الانفتاح على أشكال عملت على تدوير الحزب، وفق أجنداتها النفعية، محولة إياه إلى مجرد يافطة متلاشية، لا تعكس مستواه القيمي والسياسي.
لكن الغريب أن هذه الفوضى غير الخلاقة، لم تواكبها ردود أفعال تنظيمية خلاقة، من المناضلين الاتحاديين الذين كانوا يمجدون التنظيم ويسعون وراءه حد الثمالة.
أعتقد أنه من السذاجة، اختزال أزمة الحزب في شخص كاتب متسلط أو مجموعة أشخاص هجينين، يديرون آلة الحزب بمنطق الزبونية السياسية.
هل سيستطيع الاتحاديون، الحاملون للمشروع الاتحادي، -لا أتحدث هنا عن مشروعية الاقدمية الحزبية ، ولا عن حمل بطاقة الانتماء_
بل عن الفعاليات القادرة، على ضخ نفس جديد في الحزب، يجعله قادرا على إعادة الانخراط في ديناميات الشارع، ومواقع التأطير الفعلي وسط الفئات العريضة للمجتمع، المتضررة من سياسات الليبراليين الجدد.؟
هل سيتمكن الاتحاديون من استعادة زمام المبادرة، من يد أولئك الذين لا علاقة لهم لا بالنضال ولا بالمشروع الاتحادي ومع ذلك هم من يصوغون قراراته؟
هل سيغلب الاتحاديون المصلحة الحزبية العامة، على الحسابات الظرفية والمصلحة الشخصية الضيقة؟
هل سيتمكنون من ضخ مضمون ديمقراطي حداثي، يستجيب لمتطلبات المرحلة، ويقطع مع الانخراط المناسباتي والتجييش العددي عند كل محطة تنظيمية؟
ولعل من شأن ذلك، و….أن يساعد المشروع الاتحادي
على استعادة بريقه الفكري ووضوحه الإيديولوجي و يسترجع هويته وتتوضح مواقفه وتتوطد الثقة، ليس فقط بين الحزب ومناضليه، بل بين هذا الأخير وعموم المواطنين.
أعتقد أن هذه هي المراجعة النقدية الجريئة التي تلزم الحزب، من أجل أفق جديد.
