هذا البلد قادر على النظر إلى نفسه في المرآة
عبد السلام المساوي
لقد جاء خطاب العرش 2025 ، بمثابة تشخيص دقيق لحالة مغربية تتقدم بخطى ثابتة وصاعدة ، لكنها ما تزال تعاني تفاوتا في السرعات ، وفجوات مؤلمة بين التخطيط وبين التنفيذ ، أو بين الإرادة المعلنة والواقع المعيش .
وإذا كان التشخيص دقيقا إلى هذا الحد ومن أعلى مستويات القرار في الدولة ، فإن الأسئلة المؤرقة هي :
لماذا تقف البرامج والمخططات والمشاريع في منتصف الطريق ؟ وأين تكمن العلة ؟ هل في غياب الموارد أم في غياب الإرادة؟ أم أن المشكل أعمق ويتعلق بأزمة حكامة وتدبير ، وشجاعة في تحمل المسؤولية ؟
إن المطلوب اليوم ، ليس مزيدا من التخطيط والبرامج ، بل تجويد الموجود منها وإدماجه ، وتسريع وتيرة العمل ، والانتقال من سرعتين إلى سرعة واحدة ، مع تجاوز منطق التردد والانتظار ، وإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة في تولي المسؤوليات .
لقد حدد جلالة الملك بوصلة العمل بوضوح : عدالة ترابية وكرامة اجتماعية واقتصاد منتج ومؤسسات ناجعة وإدارات تشتغل بعقلية الخدمة لا الامتياز ، وما على المسؤولين ، بمختلف مستوياتهم سوى التحرك ، الآن قبل الغد ، من أجل ترجمة الرؤية الملكية على أرض الواقع ، بكل ما يتطلبه الواجب الوطني من تسلح بأقصى أشكال النجاعة والحكامة وإتقان في التدبير .
لقد تعب المغاربة من البرمجة من أجل البرمجة فقط ، وحان الوقت لربط التخطيط بالأثر الحقيقي …وإلا فليذهب كل واحد إلى حال سبيله .
وبقدر ما يحتاج ملف تهميش المناطق القروية ، إلى الجدية في تنزيل المشاريع التنموية ، وفك العزلة وتشغيل الشباب ، والاستثمار في المؤهلات الطبيعية ، والانطلاق من ماهو محلي لخلق التنمية ، فإنه لا يستحمل إطلاقا المزايدات الانتخابوية الفارغة ، وركوب المشاكل والمعاناة بشكل يهدد السلم الاجتماعي ، عوض العمل والاجتهاد في كل الظروف والتضحية لخدمة الشأن العام وتنزيل التعليمات الملكية السامية .
وطبعا فإن المغرب يتميز بتنوع ثقافي يشكل مصدر قوة لتحقيق هذه التنمية الشاملة والعدالة المجالية ، كما أن العديد من المناطق القروية تزخر بمؤهلات طبيعية قل نظيرها بالعالم ، لكن العطب في غياب الاستغلال الأمثل للفرص الذهبية ، وتبعات فيروس الفساد الذي ينخر المؤسسات ، ويقف حجرة عثرة أمام تحقيق حلم ملك وشعبه ، لكن بالعزيمة والإرادة الملكية القوية يسير مشروع مغرب 2030 بخطى ثابتة لتحقيق التقدم والازدهار وكل من يقف أمام تيار الإصلاح سيجرفه لا محالة نحو مزبلة التاريخ بلا رحمة .
لا عقد لدى المغرب إطلاقا ، فهذا البلد قادر على النظر إلى نفسه في المرآة دون حاجة لرتوشات خادعة تزيف واقعه ، وتكذب عليه ، لذلك يفخر بالإنجازات الحقيقية التي يحققها ويحتفل بها وبقدرته على الوصول إليها ، ويقف بالمقابل أمام العثرات والهفوات ، يصلحها ، يبحث لها عن حلول ، يواجهها ولا يهرب منها .
لذلك فهو بلد سوي ، مستقيم ، لا يعاني من أعطاب الغرور وعقد الاستعلاء ، لكنه في الوقت ذاته سليم تماما من كل عقد النقص أو الصغر أمام الآخرين .
هذا بلد يعرف من أين أتى ، ويعرف جيدا أين هو اليوم ، ولديه وضوح رؤية كامل بخصوص وجهته المستقبلية ، أي إلى أين هو ذاهب .
لذلك نقول منذ بدء البدء لكل راغب في الإنصات إلينا إن المعركة ضد المغرب ، في أي مجال وفي كل مجال ، هي معركة محسومة المصير سلفا : خاسرة بالنسبة للأعداء ، مربوحة مناصرة منتصرة لبلد الصدق والوضوح والنية الصادقة هذا المسمى المملكة المغربية .
