زلة قلم:
حين تزني العقول وتخون الخواطر
عبد الهادي بريويك
في زمن تغير فيه ميزان الصدق، صارت العقول تبيع صمتها بأبخس الأثمان، وتخون الخواطر ما كانت تؤمن به يوما…
لم تعد الأفكار تُولد من رحم الوعي، بل تُفصّل على مقاس المصلحة، وتُجمّل بألوان الزيف.
الخيانة هنا ليست فعلا يُرتكب في الخفاء، بل منهجٌ معلن، تمشي به الوجوه مرفوعة، وتُصفق له الأيدي التي كانت ذات يوم ترفض الذل.
نرى المثقف يُبرر، والعارف يُهادن، والحكيم يلوذ بالصمت… وكأن الباطل صار وجها من وجوه الحكمة.
حين تزني العقول، يُصبح الحق تهمة، والصدق سذاجة، والكرامة جريمة.
تغدو الخواطر رهينة الخوف، وتُستبدل الأسئلة بالولاءات، وتُخاطب الجماهير بما تريد سماعه لا بما يجب أن يُقال.
أما الضمير، فيُوضع على الرف، يُنفض عنه الغبار في مواسم الوعظ، ثم يُعاد إلى سباته حتى إشعار آخر.
هكذا تُولد الرداءة، لا من جهلٍ فقط، بل من صمت العارف، ومن تواطؤ من عرف وسكت، ومن انحناءة القلم حين وجب أن يصرخ.
لكن…
رغم العتمة، ما زالت هناك عقول تقاوم السقوط، وخواطر تأبى الخيانة.
ما زال فينا من يكتب بدمه لا بحبره، من يقول “لا” في زمن التصفيق، من يحرس الذاكرة من النسيان، والكرامة من التدنيس.
فلنُصغِ لهم، قبل أن تُخرسهم الضوضاء…
ولنُصلِّ لأجل خواطر لم تُبع، وعقول لم تُدنَّس.
