هل فعلا الاستاذ الجديد ضعيف المستوى؟

هل فعلا الاستاذ الجديد ضعيف المستوى؟

 

دائما تطرح علي غابة من الاسئلة المتكررة المستفزة من قبيل: كيف هو مستوى الاساتذة المتدربين الذين يتكونون عندكم ؟ الاساتذة الجدد هل بامكانهم تقديم شيء معرفيا ؟ هل بمقدور الخريجين الجدد التحكم في القسم ؟ بسرعة وبلا تفكير يكون رد فعلي: هم على ما يجب أن يكونوا.

 

امتعض، لانها استفهامات مغرضة، لا تطرح من قبل البعيدين عن التعليم، ولا ينسجها بعض النشيطين على هوامش القطاع وكفى، لكن تطرح اساسا من قبل ثلة من رجال التعليم.

اسئلة اجد ضمنها القليل الصادق، وكثيرها اسئلة تتغيى دفعك إلى الطعن في رجال ونساء التعليم الجدد خصوصا والكل عموما. 

ولانني دائما منحاز بشدة لا تلين لزملائي الشباب جملة ومبدأ، فإن ما يغيظني حقا، ويحنقني حد القرف هو ان يصدر هذا الاستفهام من قبل قدماء بيت التعليم خصوصا. وعلى تلك الخلفية ارتأيت أن تخصص تدوينتي لهاته الفئة اولا.

 

الكثيرون يتحدثون عن ضعف مستوى الاستاذ الجديد. لكن دون الغوص في كنه القضية يظل الرأي حكم قيمة مغرضة، يفتقد الى الموضوعية.

فما الذي يجعل بعض المحسوبين على الاساتذة القداما والاداريين والمفتشين ومعهم العامة… يصرحون بكون مستوى الاستاذ الجديد يتصف بالضعف ؟

ابتداء، اعتقد ان الخريج الحديث لم يعد يجد فضاء الاستقبال المناسب والمشجع.

فالوافد الجديد كان يلقى في استضافته خبراء تعليم وحكماء اداريين متمرسين يتشوفون الى استقباله، ويتشوقون الى متى ينضم النجم الفتي البراق الى الفريق، ويتسابقون في مساعدته في الحصول على المراجع ومختلف وسائل ودعامات العمل، معتبرين تألقه من صميم نجاحهم.

يستقبل الاستاذ الوليد بالاحضان في بيت الاساتذة المتمرسين، يؤوونه ويطعمونه ويبحثون له عن مكان السكن والاستقرار.

ويقدمون له المقررات والجذاذات، ويخيرونه بين المستويات ويرشدونه في جوانب ادارية وديدكتيكية ونقابية وجمعوية واجتماعية… فيطلعونه على خبايا المحيط، ويقودونه بسلاسة لينخرط بثقة وحيوية وتبصر… فيحس بأنه في أمن وأمان و مأمن.

إنه يجد المفتش والحارس العام والمدير والاعوان… على شاكلة فريق متلاحم متأهب، همه نجاح الجديد في المؤسسة. كلهم لا يتهاونون طرفة عين في إبداء ما يحتاجه من ارشادات وتوجيهات، ويعرضون ما بوسعهم من خدمات قرب محضرة خصيصا للجديد حتى يندمج. وحماية لنمو ما يزرعونه فيه، يحذرونه مما من شانه ان يؤثر في نبل مساره المهني.

بشكل تلقائي، يشحن الخريج الجديد في ايام قليلة، ويلقح بمفاعيل المهنية المتقدة، ويتدرب ويتكون بالاشارات العميقة، ويوجه بقيم تمرر له بأعجوبة، تجعله يحس بقيمته، وتحرك وجدانه انوارها … فينطلق وهو مؤطر معنويا….وحتى ماديا. 

في مثل هذه الظروف تتفتح شهية شبابنا، وتتفتق قدراتهم وتتفجر طاقاتهم، ويحرقون المسافات الطوال. إنهم يصبحون في وقت وجيز اساتذة اكفاء، ذوي قدرات خارقة ورغبات في الرقي حارقة. ينطلقون بحماس، لا يجد الكلل منفذا، ولا يلقى مسربا الى قلوبهم.

مع ضرورة الاعتراف لعدد كبير من داعمي الاستاذ الجديد، وحتى لا ينكر جميلهم، اعترف شخصيا لزملاء استقبلوني، واحتضنوني اول مرة وانا غيرب الدار، جعلني دفؤهم المضياف اضعاف ما كان ممكننا ان اكونه لوحدي. فشكرا جزيلا لهم جميعا.

غير أنه للاسف الشديد، وفي نفس الآن تحضر اليوم في مخيلتي اطياف بعض اشباه رجال ونساء التعليم، أنذال حاولوا غبني واستغفالي واستغلالي… لكن هيهات.

بين تلك الصفتين، اليوم ماذا يجد الاستاذ الجديد في استقباله ؟ 

اعترف أنه قد يمر الاستاذ الجديد بتكوين منقوص، اضاع حماسه، وصرف جزء من عمره الثمين… يلقى بالاستاذ الجديد الى مؤسسة التعيين، وتسلم له قيادة القسم ببرودة، وهو اعزل، بلا ما تقتضيه معركة التربية من أسلحة وعتاد.

لن اتريث في قول: أن المحظوظ سيجد من بين الاداريين وزملائه في التخصص رجال ونساء داعمين.

لكن أتوقع أن يجد في طريقه قطاعا، يتهافتون على المستويات غير الاشهادية ويطالبون بإسناد المتبقى الشاق الى الجديد، ويتملقون لحيازة الاستعمالات الزمنية الافضل، ويدفعون بالسيئة التوزيع الى الجديد.

ويتلقفون الأخف من حيث عدد الساعات، ويرمون بالحصص الاكثر الى الجديد الغض…. يتحايلون للتعيين بالمؤسسات الافضل، ويقذفون به الى الابعد والاقصى عزلة، ويلقون به الى الاقل ضبطا وذات المحيط الاكثر شرا…

صدقوني، الى جانب ادارة مواطنة، قد يصطدم الوافد الجديد بموظفين لا يتمتعون بضمير مهني، لن يساعدوه ولو بقلامة ظفر. وطبعا قد يضطدم بمن يبحثون له عن ثغرات وهفوات… يغرقونه فيها قصد الكيد له بها وابتزازه مادينا وجنسيا، واشاهرها اوراقا لضغط، يدفعه الى الانصياع لما هو غير قانوني وتقبل ما هو غير حقوقي…

هذا جزء من الاجواء المهترئة التي ينخرط في امواجها الاستاذ الجديد، ضف اليها حفظك الله نوعية التلاميذ، وطينة ابائهم واوليائهم، ولاتنس عددهم ومحيطهم السيء، الذي قد يخالجه من لا يقدر العلم، ولا يحترم المدرسة، ولا يقيم للاستاذ وزنا…

وفي خضم اجواء تيئيسية، وانت لم تقدم له ما يذكر من المساعدة، نرجو منك الا يفوتك تقدير وضعية شاب او شابة في مقتبل العمر، يعمل واجرته لم تصرف بعد… فعلى الاقل كف عنه لسانك، ودعه يشق طريقه.

تحية لكل استاذ جديد يصارع غلظة ولوج المهنة

سالم تالحوت

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين

الدار البيضاء سطات

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*