الوطن يتسع للجميع.. 

مجرد رأي 

الوطن يتسع للجميع.. 

 

عمر المصادي

في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه التحديات، يبقى سؤال العدالة والإنصاف داخل الأوطان من أكثر الأسئلة إلحاحا، كيف يمكن أن يشعر كل مواطن، سواء في المركز أو الهامش، بأنه جزء من الوطن، وأن له فيه نفس الحقوق ونفس الفرص؟ وهل فعلا يتسع الوطن للجميع في ظل فوارق اجتماعية ومجالية صارخة؟

الجواب على هذا السؤال لا يمكن أن يكون شعارا عاطفيا، بل يجب أن ينبني على رؤية واقعية وسياسات عادلة تنطلق من مبدأ أساسي: لا تنمية حقيقية بدون عدالة مجالية وإنصاف اجتماعي واقتصادي.

تشير العديد من التقارير الوطنية والدولية، مثل تقارير المندوبية السامية للتخطيط وتقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)…، أن الفوارق بين الجهات، سواء من حيث البنية التحتية أو فرص الشغل أو الخدمات العمومية، تكرس إحساسا بعدم الإنتماء وتعمق الهجرة نحو المدن الكبرى.

إن العدالة المجالية ليست مجرد مطلب تنموي، بل هي ركيزة من ركائز الإستقرار الإجتماعي والسياسي.

فلا يعقل أن تركز الإستثمارات الكبرى في مناطق محددة، فيما تبقى مناطق أخرى تصارع من أجل أدنى مقومات العيش الكريم.

 

إن الإنصاف لا يعني فقط تقليص الفوارق في الأجور أو فرص العمل، بل يشمل أيضا إعادة الإعتبار للفئات المهمشة، من خلال سياسات اجتماعية دامجة ومنظومات حماية قوية.

إن الإقتصاد الذي لا ينتج عدالة هو اقتصاد يولد أزمات.

ولذلك، فإن النماذج التنموية الناجحة عبر العالم هي تلك التي وضعت العدالة الإجتماعية في صلب اختياراتها.

 

وغالبا ما يتم ربط التنمية بمؤشرات رقمية أو بأوراش كبرى، غير أن التنمية الحقيقية هي التي تضع الإنسان في قلب المعادلة: تعليمه، صحته، كرامته، مشاركته في القرار…

وطن يتسع للجميع هو وطن يتسع لأحلام الجميع، وطموحاتهم، واختلافاتهم، وقدراتهم.

وطن لا يقصي أحدا، ولا يختزل النجاح في الجغرافيا أو الإنتماء الطبقي.

 

وفي الأخير يجب التأكيد على أن وطن يتسع للجميع هو مسؤوليتنا جميعا، العدالة المجالية، والإنصاف الإجتماعي والإقتصادي، ليست ترفا فكريا ولا موضوعا موسميا، بل هي شروط حقيقية لبناء وطن متماسك ومزدهر.

إن مستقبل أي وطن لا يقاس فقط بنمو ناتجه الداخلي الخام، بل بقدرته على احتضان كل أبنائه، وبضمانه لحق كل فرد في أن يعيش بكرامة حيث ولد، لا حيث أجبرته الظروف على الهجرة.

فلنجعل من العدالة رهانا سياسيا، ومن الإنصاف التزاما جماعيا، ومن التنمية مشروعا للجميع، لا لفئة دون أخرى.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*