الصحة التعليم والسكن بين العمل الحكومي وعمل الدولة
د.حميد المرزوقي
قطاع الصحة من القطاعات الحيوية في الدول الحديثة، إلى جانب التعليم والسكن باعتبارها القطاعات التي تعنى باشباع الحاجات الأساسية، التي صنفتها هيئة الأمم المتحدة كحاجات أساسية لحياة المواطن ، لذلك اعتبرتها مختلف الدول عبر العالم ، من الأوراش الكبرى للدولة، بحيث رصدت لها اعتمادات كبيرة ورغم انخراط المبادرة الخاصة في هذه القطاعات الا أن تدخل الدولة بقي هو القاعدة والباقي استثناء، بالنسبة للمغرب ومنذ حصوله على الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي حضيت هذه القطاعات الثلاث بأهمية خاصة في السياسات العمومية ، لذلك استفادت الصحة والتعليم والسكن في التصاميم الخماسية من حيز مهم جعلها تحضى بالاولوية بالمقارنة مع القطاعات الاخرى، الا انه ومنذ نهاية سبعينيات القرن الماضي أصبح العمل الحكومي في هذه القطاعات، يطغى على عمل الدولة، وربما هذا هو الذي شكل نقطة تحول كبيرة، بحيث انتقلت هذه القطاعات من التخطيط الاستراتيجي المرتبط بعمل الدولة، الى التخطيط المرحلي المرتبطة بالمخططات المرحلية التي تطبع العمل الحكومي، وقد اتخد هذا المنحى شكلا تصاعديا جعل المبادرة ترتبط بالحقائب الوزارية التي يعهد لها بهذه القطاعات الثلاث، والتي كل مرة تحمل اسما مغايرا حسب التوجهات الحكومية واولويات البرنامج الحكومي، بحيث أعطيت صلاحيات واسعة لعمل الحكومة في هذه القطاعات وهو ما أدى إلى انتقالها من منظومات وانساق مرتبطة بالبعد الاستراتيجي الى سياسات مرحلية لا يتعدى مداها مدة انتداب الحكومة وأحيانا اقل في حالة تغيير الوزير المكلف بالقطاع، ومع تعاقب الحكومات وبالأخص في إطار دستور 2011 الذي أعطى للعمل الحكومي صلاحيات أوسع وأكبر من ذي قبل، تحولت منظومتي الصحة والتعليم وقطاع السكن الى أوراش حكومية بامتياز، وهو ما أدى إلى فقدانها عبر الزمن الى بعدها الاستراتيجي وطابعها المنظوماتي الى قطاعات اجتماعية تعكس توجهات الحكومة واختياراتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والنتيجة كانت مخيبة للآمال لأن هذه القطاعات الحيوية لم تعد مرتبطة بشكل كامل بالسياسة العامة للدولة ومن ركائزها الأساسية، بل تحولت الى حقائب وزارية يتم توزيعها بين الهيئات السياسية المشكلة للحكومة، وتأخد قيمتها من ما تتمتع به الهيئة السياسية التي ظفرت بحقيبتها … في اعتقادي هذا التحول الذي عرفته هذه القطاعات الحيوية، من عمل الدولة، إلى العمل الحكومي، هو الذي جعل إشباع الحاجات الأساسية المرتبطة بها يتأرجح تدبيرها من منظومات، الى سياسات، وهو عكس ما وقع في العديد من التجارب عبر العالم كما هو الشأن في اليابان وألمانيا وسنغافورة وفرنسا والصين، حيث مازال التعليم والصحة والسكن من اختصاص الدولة، تدبيرا، وتخطيطا، بينما ينحصر دور الحكومة المتعلق بهذه القطاعات، في تنفيذ توجهات الدولة دون اية محاولة كيفما كان مداها لتغيير الأهداف و الاستراتيجيات، لذلك فان حالة هذه القطاعات لن يستقيم إلا إذا تم إعادة تصنيفها كقطاعات حيوية ترتبط بالسياسة العامة للدولة، تخضع للتدبير على شكل منظومات، وأنساق، يتم التخطيط لها على المدى البعيد للاستجابة لانتظارات المواطنين وفق التصورات العامة للدولة واهدافها التي بنيت من أجلها الدولة والعقد الاجتماعي الذي يربط بينها وبين الشعب.
د.حميد المرزوقي
