أقدام حافية فوق جليد الزمن

أقدام حافية فوق جليد الزمن.

 

زهير أصدور

 

في قاعة صاخبة بالتصفيق والهمسات، خيّم صمتٌ عميق حينما أجهش الأمين العام محمد أوزين بالبكاء، وهو يروي حكاية أطفالٍ يمشون نحو المدرسة في عزّ البرد القارس، بملابس لا تقي أجسادهم النحيلة، وبأقدامٍ عارية تلامس الأرض كأنها مسامير ثلجية. كانت دموعه تنطق بما عجزت الكلمات عن قوله: أن الفقر ليس مجرد حرمان، بل قدر يلاحق الأجيال.

هناك، وسط صدى صوته المرتعش، اندفعت ذاكرتي إلى سنة 1968، يوم قرر والدي أن يرسلني إلى “جامع أولاد عبد الله” لأحفظ القرآن وأتعلّم مبادئ الكتابة. رفضت، لا كبراً ولا عناداً، بل عجزاً عن مواجهة البرد الذي يشقّ الصدر كالخناجر. لكن والدي، بحكمة الآباء الصارمة، قال إنه سيكلف أحد أطفال القرية بمرافقتي كل صباح.

في اليوم التالي، خرجتُ مع أول خيوط الضوء، والسماء لا تزال تبكي من مطرٍ هطل طوال الليل. كانت العقبة الممتدة أمامي، “عقبة الشبّار”، نهراً من الحجارة الملساء، كأنها فخاخ أعدّتها الطبيعة للضعفاء. هناك، التقيت الطفل الذي كُلف بمرافقتي؛ كان في عمري، لكنه أطول قامة. وقفت مشدوهاً: ملابسه كانت رقعاً لا تستر، جسده مبلل من المطر، وقدماه الحافيتان تلتصقان بالأرض الباردة. كنتُ أرتجف لبرده أكثر مما أرتجف لبرودي.

ذلك الصباح لم يكن مجرد بداية دربٍ نحو الجامع، بل كان درساً أول في معنى الطبقية، وإن لم أجد لها اسماً حينها. كنت أنظر إلى رجليه ثم إلى رجلي، وأحسّ لأول مرة أن العالم قاسٍ، وأن الفقر ليس اختياراً، بل قيداً يلتف حول الجسد منذ الميلاد.

ظل المشهد يتكرر طيلة الشتاء. وفي أبريل 1969، توقفتُ عن الذهاب إلى الجامع، لا كسلاً ولا تمرداً، بل لأن قلبي لم يعد يحتمل مرافقة الألم في هيئة طفلٍ يمشي عارياً بين الطين والمطر. ومرت السنين، حتى سمعت أن ذلك الطفل نفسه رحل بعيداً، شهيداً على رمال الصحراء، يحمل بندقية مكان لوح القرآن، يذود عن وطنٍ لم يذد عنه من البرد يوماً.

حينها أدركت أن الفقر لا يموت، بل يغيّر وجوهه. كان في الستينات عرياً، وفي السبعينات جوعاً، وفي الثمانينات قهراً، وفي التسعينات ظلماً، وفي الألفية الثالثة التي يحكي عنها أوزين، صار كل ذلك معاً.

القصة ليست قصة طفلٍ فقير وحسب، ولا دمعة أمين عام، ولا ذكريات صبيٍ يتعلّم القرآن. إنها مأساة أجيالٍ تتوارث الألم كما لو كان جزءاً من تراب الوطن، قدرها أن تحيا بين البرد والجوع، ثم تموت إمّا في صمتٍ أو في ساحات الواجب الوطني.

لكن المأساة الحقيقية ليست في الفقر ذاته، بل في استسلامنا لفكرة أنه قَدَرٌ أبدي. فالقدر لا يُكتب بالحجارة، بل يُكتب بوعي الإنسان وإرادته. إن الفقر ليس لعنةً نازلة من السماء، بل مرآة لخياراتنا السياسية، لغياب العدالة، ولعجزنا عن تحويل التضامن من شعور عابر إلى نظام حياة.

اليوم، حين يبكي سياسي على طفلٍ حافي القدمين، فإن دموعه لن تغيّر شيئاً إن لم تتحوّل إلى فعل. ولعل السؤال الفلسفي الذي يفرض نفسه: هل نحن سجناء تاريخ يعيد إنتاج نفسه بلا نهاية، أم أننا قادرون على كسر الدائرة، وصنع زمنٍ جديد لا يُقاس بدرجات البرد التي يتحملها الأطفال، بل بدرجات الكرامة التي نضمنها لهم؟

ذلك هو جوهر الحكاية: أن نخرج من دائرة التكرار، ونكسر وهم القدر، ونؤمن أن الفقر ليس قدراً، بل عقد اجتماعي قابل للنقض.

يومها فقط، لن نبكي على أطفالٍ يمشون في الصقيع حفاة، بل سنراهم يركضون في شمس الحرية أحراراً، بكرامة تحفظ إنسانيتهم.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*