*لصوص ولكن لا يطالهم القانون* – قراءة في الواقع المغربي
*بقلم عبدالهادي بريويك*
في المغرب، كما في كثير من دول العالم، تتغنى النصوص القانونية والدستورية بمبادئ النزاهة، الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لكن الواقع غالبا ما يُكذب النصوص، حيث يعيش المواطنون مفارقة صارخة: هناك من يتابَع ويُدان لأبسط الأفعال، في حين ينجو من العقاب من اختلسوا الملايير من المال العام، واستغلوا النفوذ والمناصب لتحقيق ثروات غير مشروعة. هؤلاء هم “لصوص ولكن لا يطالهم القانون”.
*أولا: من هم هؤلاء؟*
هؤلاء ليسوا بالضرورة من أصحاب السوابق أو الخارجين عن القانون كما نعرفهم في السينما، بل هم في الغالب:
مسؤولون منتخبون (رؤساء جماعات، برلمانيون، وزراء سابقون…).
مدراء مؤسسات عمومية أو شركات تابعة للدولة.
رجال أعمال مقربون من مراكز القرار.
نافذون يستغلون علاقاتهم في الإدارة والسياسة للظفر بصفقات أو إعفاءات غير قانونية.
يستعملون سلطتهم أو قربهم من دوائر النفوذ ليختلسوا، أو ليستفيدوا من المال العام، دون أن يظهر عليهم أي أثر للملاحقة أو المحاسبة.
*ثانيا: لماذا لا يطالهم القانون؟*
1. الحصانة السياسية أو الانتخابية:
البعض يتحصن بصفته نائبا برلمانيا أو رئيس جماعة ترابية. ، مما يصعّب متابعته قانونيا، رغم أن القانون لا يمنع ذلك صراحة، لكنه يتطلب إجراءات معقدة، تستغرق وقتا، وتخضع أحيانا لحسابات سياسية.
2. ضعف المتابعة القضائية رغم التقارير الرسمية
المجلس الأعلى للحسابات وهيئات التفتيش تنجز سنويا عشرات التقارير التي ترصد اختلالات كبيرة في تدبير المال العام، لكنها نادرا ما تُحال تلقائيا على القضاء، أو يتم تكييفها جنائيا لمحاسبة المتورطين.
3. تدخلات فوقية وتعطيل للمساطر
في بعض الحالات، تُفتح مساطر التحقيق ثم تُجمد في مراحل متقدمة دون مبرر قانوني واضح، في ظل حديث عن تدخلات “من فوق” لحماية الأشخاص أو التغطية على فضائح كبرى.
4. الإعلام الصامت أو المُتحكم فيه
الإعلام بدوره، لا يسلط الضوء دائما على هذه القضايا، إما بسبب التضييق أو التهديد أو التبعية لجهات نافذة، ما يجعل الرأي العام بعيدا عن معرفة من “سرق فعليا”، ومن يُفلت من العقاب.
ثالثًا: أمثلة من الواقع المغربي
تقارير المجلس الأعلى للحسابات على مدى السنوات الأخيرة كشفت عن خروقات خطيرة في تسيير جماعات ترابية ومؤسسات عمومية.
رغم ذلك، قليلٌ من المسؤولين أُحيلوا على القضاء، وإن تمت المتابعة، فإن العقوبات غالبا ما تكون رمزية أو معلقة.
في المقابل، مواطن بسيط يُمكن أن يُتابَع بسرعة ويُدان في وقت قياسي من أجل بناء غير مرخص أو دين بسيط.
رابعًا: الانعكاسات الخطيرة لهذا الإفلات
انهيار ثقة المواطن في الدولة والمؤسسات.
ترسيخ ثقافة الريع والفساد كممارسة “عادية”.
ضعف المشاركة السياسية نتيجة الإحباط العام.
فقدان هيبة القانون وتحوله إلى أداة انتقائية.
خامسًا: هل من حلول؟
1. تفعيل تقارير المحاسبة وتحويلها مباشرة للقضاء
على رأسها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، ومفتشية وزارة الداخلية.
2. إصلاح القضاء وضمان استقلاله لتمكينه من محاسبة جميع المتورطين بدون تمييز.
3. إنهاء الحصانات السياسية والانتخابية في قضايا الفساد
لأن من ينهب المال العام لا يستحق حماية القانون.
4. حماية الصحافة والمبلغين
وتشجيع كشف الفساد بدل معاقبة من يفضحه.
في مغرب اليوم، ما تزال العدالة تواجه تحديات كبيرة، أهمها التعامل الانتقائي مع الجريمة، حيث يُطارد الضعفاء ويُترك الأقوياء.
فالحديث عن التنمية، والاستثمار، والديموقراطية، يظل فارغا إن لم تُطبق العدالة على الجميع.
“لصوص ولكن لا يطالهم القانون” ليست فقط عبارة توصيفية، بل هي صرخة مجتمع يريد أن يرى قانونا لا يختار ضحاياه، وعدالة لا تخضع للنفوذ.
فإلى متى ستظل المحاسبة حكرا على من لا سند له، ويُعفى منها أصحاب النفوذ والمال؟
