تقرير تحليلي: تنغير 2024… غنى طبيعي يقابله فقر في التنمية
✍️ بقلم بدر سعيد – ابن واحة دادس مكون
بين جبال صاغرو وواحات دادس ومكون، يمتد إقليم تنغير كلوحة طبيعية فريدة تجمع بين الأصالة والتنوع والثراء البيئي.
لكن خلف هذا الجمال، تختبئ مفارقة مؤلمة: إقليم غني بالموارد، فقير في التنمية.
أرقام تحاكي الواقع
حسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط )
لسنة 2024، بلغ معدل النشاط الاقتصادي في جهة درعة-تافيلالت 40.8 %، أي أقل من المتوسط الوطني (43.6 %).
في المقابل، استقر معدل البطالة الجهوي في حدود 9.6 %، إلا أن الأرقام داخل الإقليم ترتفع لتتجاوز 15 % في صفوف الشباب، خصوصا خريجي الجامعات والتكوين المهني.
كما تشير تقارير محلية إلى استمرار نسبة البطالة المقنعة في العالم القروي، حيث يعتمد جزء كبير من السكان على أنشطة موسمية هشة (الفلاحة الصغيرة، البناء، التجارة التقليدية)، دون حماية اجتماعية أو دخل قار.
برامج تنموية… بأثر محدود
منذ إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، استفاد إقليم تنغير من أكثر من 620 مليون درهم لتمويل مشاريع همت مجالات التعليم، البنية التحتية، الإدماج الاقتصادي ومحاربة الهشاشة.
وفي سنة 2025، صادقت اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية 36 مشروعًا جديدًا بميزانية تناهز 50.6 مليون درهم.
نظرا للمجهود الذي قام به السيد عامل صاحب الجلالة على الإقليم بحكم حنكته و مهنيته في تنزيل برامج التنمية الاجتماعية في الإقليم.
ورغم أهمية هذه الأرقام، يبقى السؤال مطروحا حول الأثر الحقيقي لهذه المشاريع على تحسين مؤشرات التنمية المحلية، خاصة في ظل ضعف التنسيق بين الجماعات، وتأخر إنجاز بعض الأوراش، وغياب المتابعة التقييمية المنتظمة.
ثروات كامنة تنتظر الاستثمار
يعتبر إقليم تنغير من أغنى مناطق الجنوب الشرقي بالموارد الطبيعية:
معادن كالفضة والنحاس في مناطق بومالن وصاغرو، إمكانات سياحية وبيئية واعدة، أراض فلاحية خصبة في واحات دادس وتودغى، بالإضافة إلى مؤهلات قوية في مجال الطاقة الشمسية.
لكن هذه الثروات ما تزال بعيدة عن الاستثمار الحقيقي، سواء من طرف القطاع العام أو الخاص، بسبب ضعف البنية التحتية، وتعقيد المساطر الإدارية، ومحدودية الدراسات الجهوية الموجهة للاستثمار.
فجوة الثقة والمسؤولية المشتركة
في ظل هذه الوضعية، يتنامى شعور الإحباط لدى جزء من الساكنة، نتيجة ضعف مردودية المجالس المنتخبة والأحزاب السياسية في الترافع الفعلي عن حاجيات الإقليم.
ويؤكد عدد من الفاعلين المحليين أن “غياب الكفاءة والجرأة في التسيير” يكرس التفاوتات، ويدفع الشباب نحو الهجرة الداخلية أو الخارجية بحثا عن فرص أفضل.
من جهتهم، نرى كمتتبعين للشأن المحلي أن “تنغير لا تحتاج إلى برامج جديدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة حقيقية لتفعيل ما هو موجود، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتشجيع الاستثمار المحلي.”
الأفق الممكن: من النقد إلى البناء
رغم كل الإكراهات، ما تزال المنطقة تحمل مقومات النهوض:
تعليم قابل للتحسين، شباب متعلم، جمعيات مدنية نشيطة، وموقع جغرافي يربط الجنوب بالوسط.
إن تحويل هذه المقومات إلى رافعة للتنمية يتطلب تخطيطا تشاركيا جديدا، يعتمد على إشراك الساكنة في اتخاذ القرار، وتحفيز الكفاءات المحلية على المساهمة في رسم مستقبل الإقليم.
خلاصة الكلام أمام هذه الحالة التي لا تعجبنا:
الأرقام لا ترحم، لكنها أيضا لا تغلق الأبواب.
فحين تتحول الغيرة إلى مبادرة، والإرادة إلى فعل، يمكن لتنغير أن تعود إلى مكانتها كرمز للمغرب العميق… لا الهامش المنسي منه.

