زلة قلم :
*الخيط الراشي في تواصل الحكومة*
بقلم عبدالهادي بريويك
في خضمّ كثرة الوعود الحكومية بالانفتاح على الرأي العام وتحسين أساليب التواصل مع المواطنين، يجد المتتبع نفسه أمام مشهدٍ يتكرر بإيقاع مملّ: تصريحات متفائلة تليها توضيحات متناقضة، ووعود براقة تُنسف بقرارات مفاجئة. ولعلّ أفضل ما يلخّص هذه الحالة ما عبّر عنه الموروث الشعبي المغربي ببلاغة عفوية حين قال:
*”حبك كالخيط الراشي، كندير ليه كنخيط من هنا وهو يتشرگ من لهيه.”* “من أغنية الغابة الشعبية المغربية”
إن تواصل الحكومة مع الشعب يشبه فعلاً ذلك “الخيط الراشي” الذي لا يقوى على لَـمِّ أطراف الثوب، إذ ما إن تُحاول جهة رسمية ترميم فجوة في الثقة عبر خطاب مطمئن، حتى ينكشف خرق جديد في جهة أخرى من النسيج العام.
والنتيجة أن محاولات “الترقيع” المتكرّرة تزيد الثوب تمزّقًا، وتجعل التواصل الرسمي أشبه بجهدٍ ضائع في صمتٍ ثقيل.
فالحكومة تتحدث عن الشفافية، لكن قراراتها الكبرى تُتخذ في الظلّ.
وتبشّر بانفراجٍ اقتصادي، فيما الواقع اليومي للمواطن يروي حكاية أخرى.
وتؤكد على القرب من الشعب، بينما اللغة المتداولة في بلاغاتها لا تزال بعيدة عن نبض الشارع، محكومة بمنطق التبرير لا بالإقناع.
إن أزمة التواصل ليست في الأدوات ولا في الوسائط، بل في الصدق السياسي واتساق الخطاب مع الفعل. فالكلمة حين تفقد صدقيتها، تتحول إلى خيطٍ هشّ لا يربط شيئًا بشيء، مهما بلغت براعة من يحاول الخياطة.
ولأن الواقع لا يرحم المواربة، فقد صار المشهد السياسي شبيهًا بثوبٍ كثرت فيه الرقع حتى غطّت على أصله، كما تقول الحكمة المغربية العميقة:
*كثر الفتق على الراقع*
هكذا يبدو أن “الراقع” الحكومي أنهكته الفتوق المتوالية، فلا الخيط المتآكل يُجدي، ولا الثوب الممزّق يحتمل مزيدًا من الترقيع. وما لم يُبدَّل النسيج من أساسه — أي ما لم يُبنَ تواصلٌ حقيقي على الصدق والمسؤولية — فستظل العلاقة بين الحكومة والمواطنين خيطًا راشيًا يتشرّگ كلما شدّه أحد الطرفين.
