خيبة أخرى للرئيس الجزائري تبون!

خيبة أخرى للرئيس الجزائري تبون!

      من المؤسف وغير المقبول أن تظل الجزائر بلاد “المليون شهيد”، الغنية ليس فقط بمواردها الطبيعية، بل حتى بالموارد البشرية، ولاسيما من الشخصيات الثقافية والسياسية، تخضع منذ الإعلان عن استقلالها من المستعمر الفرنسي، لاستعمار أخر من قبل “كابرانات العسكر” عبر واجهات مدنية منتقاة بدقة متناهية وعلى المقاس، يؤتى بها لرئاسة الدولة عبر انتخابات شكلية، كما هو الشأن بالنسبة لعبد المجيد تبون، الذي ليس له من دور حقيقي في السلطة عدا دور “الكومبارس”، حيث أن شؤون البلاد تدار بجهاز التحكم عن بعد من خلف الكواليس، إلى حين إعداد شخصية أخرى للعب ذات الدور، حسب الظروف والأحوال.

      فالجزائر دولة تعيش إلى اليوم تحت نظام عسكري مستبد، لم يعمل سوى على إضعافها وجرها في السنوات الأخيرة إلى عزلة سياسية قاتلة، من خلال تماديه في دعم الحركات الانفصالية وعلى رأسها جبهة البوليساريو ضد المملكة المغربية بخصوص الصحراء المغربية. إذ أن هذا النظام المتعنت يقود البلاد بوتيرة مرتفعة نحو الانهيار التام على المستوى الاقتصادي.

فضلا عن استمرار “كابرانات” العسكر في نهب واستنزاف الثروات النفطية والتعدينية، مما أدى إلى تفاقم معضلة الفساد وانتشار عمليات تبييض الأموال، الاستيلاء على ملايير الدولارات من عمولات شراء الأسلحة والسمسرة في بيع أراضي الدولة، وتهريب ملايير الدولارات أخرى صوب الدول الأوروبية وغيرها من الملاذات الضريبية…

      وبسبب ارتفاع وتيرة الفساد في مختلف أرجاء البلاد، إلى جانب ازدهار آفتي الرشوة والبيروقراطية، تراجعت الاستثمارات الأجنبية بشكل لافت حيث تقلصت إلى أقل من 1,2 مليار دولار خلال عام 2018، مقابل 3,1 مليار دولار في عام 2009، كما تهاوى الاحتياط الأجنبي إثر فقدانه حوالي 120 مليار دولار في بضع سنوات قليلة في ظل التخبط، غياب الحكامة وسوء التدبير، مما ساهم في تزايد عجز الموازنة العامة، ناهيكم عن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وظهور الطوابير أمام المتاجر وفي الأسواق جراء ندرة الكثير من المواد الأساسية، وركوب الشباب العاطلين قوارب الموت أمام انسداد الآفاق وضيق ذات اليد، بحثا عن فرص عمل في الضفة الأخرى بالدول الأوروبية.

      وتجدر الإشارة هنا في هذا السياق إلى أن الرئيس الجزائري المعين من قبل العسكر، ما انفك يحصد الخيبات المتتالية وخاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، أمام الانتصارات الدبلوماسية التي واصل المغرب مراكمتها على مدى خمسة عقود، بفضل الدبلوماسية الراقية التي قادها ملك المغرب محمد السادس بحكمة وتبصر، مما أدى إلى تزايد الدعم الدولي للمبادرة المغربية حول الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتوج بصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 يوم الجمعة 31 أكتوبر 2025، القاضي بمنح “الصحراء الغربية” حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية، إثر تصويت 11 دولة من أصل 15 دولة لفائدته، امتناع 3 دول: روسيا، الصين وباكستان، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت رغم أنها الطرف الرئيسي في النزاع المفتعل.

      وهناك خيبة ثانية لا يمكن للشعب الجزائري ولا “العصابة الحاكمة” بقيادة “السعيد شنقريحة” نسيانها، وهي المتعلقة برفض مجموعة “البريكس” طلب الجزائر مرتين متتاليتين خلال سنة واحدة الانضمام إلى هذا التكتل الاقتصادي العالمي، مما شكل صفعة قوية أخرى للرئيس تبون الذي ظل منذ أن جيء به رئيسا يردد شعارات فضفاضة حول التحاقه بالمجموعة، رغم أنه حاول في أكثر من مناسبة إنكار ذلك والادعاء عدم تجديد الطلب. بينما الحقيقة غير ذلك، إذ تم رفض الطلب لعدم اوفر الجزائر على الشروط الضرورية، ومنها أن الاقتصاد الجزائري ليس اقتصادا تنافسيا، انعدام الجدية لدى النظام الجزائري وإقدامه على تزوير أرقام الصادرات خارج المحروقات، وعدم تكتله على المستوى الإقليمي وعدوانيته مع جيرانه، وبكلمة أوضح وأفصح كما جاء على لسان “سيرغي لافروف” وزير خارجية روسيا “الحليف” الاستراتيجي للجزائر، حين قال بأن الجزائر “بلد بلا هيبة ولا وزن”، فيما تمت الاستجابة لطلب ثلاث دول عربية بالانضمام لمنظمة “البريكس” وهي السعودية والإمارات ومصر.

      بيد أن خيبة الرئيس تبون الأخيرة، فهي اضطراره إلى الإفراج عن الكاتب بوعلام صنصال المزدوج الجنسية جزائري/فرنسي يوم الأربعاء 12 نونبر 2025، الذي تم اعتقاله فور نزوله من الطائرة في منتصف شهر نونبر 2023 في مطار هواري بومدين أثناء زيارته للجزائر، بدعوى إقدامه على قلب الحقائق والتشكيك في تاريخ الجزائر من خلال التصريح بأن هناك مدنا جزائرية تعود في الأصل للمغرب وتم ضمها للجزائر من طرف الاستعمار، والحال أن الاعتقال تم بناء على مواقفه السياسية المعادية للنظام العسكري الجزائري وانتقاداته المستمرة. وذلك بعد أن سبق له وصفه بالشخص “اللقيط” الذي لا يعرف والده و”المحتال” و”المبعوث من فرنسا” في خطاب رسمي ألقاه أمام البرلمان في 30 دجنبر 2024.

      حيث جاء في بيان صادر عن رئاسة الجزائرية يوم الأربعاء 12 نونبر 2025 بأن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وافق على طلب نظيره الألماني فرانك-فالتر شتاينماير العفو عن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال المسجون منذ عام في الجزائر ونقله إلى ألمانيا لتلقي العلاج، بعد أن شد اهتمامه لطبيعته ودواعيه الإنسانية. فأين نحن من كل تلك الشتائم والأوصاف القبيحة التي طالما رددها أمام وسائل الإعلام الجزائرية والدولية؟

اسماعيل الحلوتي

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*