*من الخبز الحافي لمحمد شكري الى الخبز الورقي للتويزي**
*بقلم رشيد لمسلم*
لم يكن ردا عابرا، بل كان خبرا صادما لنا ككل مغاربة . حينما سمعنا في جلسة برلمانية ، احد رؤساء فرق نواب الأمة ، ان “خبزنا ” بالورق معجون .
في قاعة البرلمان، لم تكن كلمات النائب مجرد جملة عابرة. حين قال إن الخبز الذي يأكله المواطنون مطحون بالورق، دوى الصمت أكثر من التصفيق، لأن الأمر هذه المرة لا يتعلق بغلاء الأسعار أو بجدل سياسي، بل بصحة الإنسان المغربي — تلك التي يفترض أن تكون خطا أحمر لا يتجاوز.
إن ما قيل، ليس ادعاء عاطفيا، بل ناقوس خطرٍ يستوجب التحقيق والاستفسار العاجل.
لأننا إن سكتنا على ما يدخل بطوننا، فقد سكتنا على معنى الحياة ذاته. فالخبز ليس مجرد طعام، بل رمز للعيش الكريم، لكل المغاربة، والعبث به، عبث بكرامة المواطن وبأمنه الغذائي.
نحن لا نحتج على الخبز حين يغلو، ولا نثور حين يقل، لكننا لا نقبل أن يُعجن بالخداع أو يُطعم بالسم.
وإن صح أن الورق يطحن مع القمح في بعض المطاحن، فالمسألة تتجاوز الاقتصاد إلى الحق في الحياة الذي يكفله الفصل 20 من الدستور المغربي، وتضرب في الصميم مبدأ حماية صحة المواطنين الذي نص عليه الفصل 31، حيث تلتزم الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطن من “الحق في العلاج والعناية الصحية”.
ثم أين هي مقتضيات القانون رقم 28.07 المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، الذي يحمل المكتب الوطني للسلامة الصحية مسؤولية المراقبة الصارمة لكل ما يدخل في سلسلة الغذاء؟ وأين هي آليات الزجر والعقاب التي نص عليها الظهير الشريف رقم 1.10.08 بتنفيذ هذا القانون؟
هل ننتظر كارثةً صحيةً جماعية لنتحرك؟ أم يكفي أن نسمع نائبا ينذرنا أو يخبرنا بما رأى لنلتفت إلى خطورة ما نستهلك؟
إن القضية اليوم ليست فقط في الخبز المطحون بالورق، بل في ورقٍ كثيرٍ يطحن كل يوم: ورق القوانين التي لا تُنفذ، وورق الوعود التي لا تتحقق، وورق التقارير التي تكتب لتُنسى.
صار الورق في طحيننا وفي كلامنا وفي واقعنا، حتى اختلطت الحقائق بالأعذار.
لكننا، نحن المواطنين، لم نعد نريد شعارات ولا تبريرات. نريد فقط أن نطمئن إلى أن ما نأكله خبز حقيقي نقي، لا خليط من فسادٍ وإهمال.
نريد أن نرى مؤسسات المراقبة تتحرك كما تتحرك حين يتعلق الأمر بالمصالح الكبرى، لأن صحة المواطن ليست تفصيلا إداريا، بل قضية وطنية من الدرجة الأولى.
فيا من يُعجن الخبز بالورق، اعلم أن الشعب قد يصبر على الجوع، لكنه لا يصبر على الغش.
ويا من يسمع ولا يتحرك، تذكر أن القانون وضع ليطبق، لا ليحفظ في الأدراج.
ولْتكن هذه المرة صرخة لا ضد الغلاء، بل ضد العبث بالحياة نفسها.
