كتبها: الجيلالي بنحليمة
مهما كان الذي حصل خلال الجلسة العامة لمناقشة مشروع قانون المالية، ومهما كانت الزاوية التي يرى كل متابع للشأن العام في بلدنا أنها الأصح، أعتقد أن الجزء المملوء من الكأس يكمن في أن نقاش هذا المشروع حقق هدفه بكونه أهم مشروع سنوي يناقش داخل البرلمان، وبأنه المشروع الذي أصبح في السنوات الأخيرة يحظى بمتابعة واسعة، وطبعا وصلت حدة النقاش أن ارتأت النيابة العامة التدخل مرتين في ملفين تمت مناقشتها بشكل علني واحد يتعلق بالدقيق والآخر يتعلق بصفقات وزارة الصحة،
تابعت النقاش الذي دار يوم أمس بلجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب حول الملف الأخير الذي استأثر باهتمام واسع لدى الرأي العام، ويتعلق الأمر بتخويل شركة مملوكة لعضو في الحكومة لصفقة توريد مادة البوتاسيوم…. وطبعا وكما تابع الذين حضروا هذا الاجتماع فقد تم تغيير القاعة المقررة لعقد الاجتماع لأنها لم تتسع لجميع الذين حضروا خاصة مع قرار رفع السرية عن الاجتماع.
وطبعا يبقى السؤال الأهم الذي طرح بعد الاجتماع هل نجح اجتهاد الحكومة، الذي يسجل لأول مرة بطلبها عقد اجتماع لجنة برلمانية لمناقشة موضوع طارئ في تطويق الاتهامات التي ساقها عبد الله بوانو رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، ضد الحكومة وضد الوزير المعني بالقطاع…. الجواب هو لا ونعم، “لا” لأن الحكومة التي طلبت عقد الاجتماع في شخص وزير الصحة والحماية الاجتماعية، لم تجب عن سؤال محوري… هل الشركة الموردة للبوتاسيوم ملك أو كانت في ملكية عضو في الحكومة وقت حصولها على هذا الترخيص الاستثنائي…؟ حتى أن عبد الله بوانو مثير الجدل اعتبر أنه كان ينتظر من الحكومة أكثر بكثير من قدمته…. خاصة وأن الوزير التهراوي جاء مرفوقا بمدير الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، الذي قدم عرضا ركز فيه على تبرئة الفاعلين في القطاع الصحي من محاباة إحدى الوحدات الصناعية….
بالنسبة للوزير التهراوي، الذي يحظى والشهادة للتاريخ بتعاطف واسع وسط البرلمانيين، بل إن عبد الله بوانو نفسه تأسف لأنه يلتقي مع الوزير الشاب في المنعرجات فقط، فإن أهم رهانات الحكومة هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الحيوية ذات الحساسية العالية، انسجاماً مع التوجهات الكبرى للدولة الرامية إلى تعزيز السيادة الدوائية والصناعية، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية وتقلباتها، وحماية المرضى من مخاطر الانقطاعات أو الأزمات الدولية المفاجئة، طيب، هل يتم هذا كما اتفق، بالنسبة للتهراوي فجميع عمليات اقتناء الأدوية تتم حصرياً في إطار القانون، وتخضع لمنظومة الصفقات العمومية ومرسوم يحدد بدقة قواعد المنافسة وشروط المشاركة ومساطر الترشح ومبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، كما أن هذه الصفقات تُعلن مسبقاً على البوابة الوطنية للصفقات العمومية، وتخضع لرقابة صارمة من المصالح المختصة بوزارة المالية، ما يجعل قرارات الاقتناء غير خاضعة لأي اجتهادات شخصية أو قرارات فردية.
ماذا وقع في صفقة تزويد السوق بالبوتاسيوم، إذن، التهراوي يؤكد أنها أُسندت لشركة محلية منتجة وفي إطار طلب عروض صارم، وليس لشركة مستوردة ذات ترخيص مؤقت كما تم الادعاء داخل البرلمان، معتبرا أن الصفقات العمومية لا تُبرم مع أشخاص ذاتيين بل مع شركات خاضعة للقانون التجاري، مضيفاً أن تطوير إطار تضارب المصالح ليس مسألة تخص قطاع الصحة وحده، بل هو ورش تشريعي جماعي يمكن للبرلمان بلورته بالصيغة التي يراها مناسبة، مع التأكيد على أن الإدارة ملتزمة بتطبيق القوانين الحالية كما هي دون انتقائية أو استثناءات.
بالنسبة لمدير الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية فإن كلورور البوتاسيوم، وهي المادة المعنية بجدل البرلمان، يعد من الأدوية الحيوية خاصة في أقسام الإنعاش وطب القلب، واجه توفره على الصعيد الوطني إكراهات مرتبطة بالمؤسسة الحاصلة على الإذن بالعرض في السوق، وتوقف خط إنتاج الحقن بسبب أشغال إعادة بناء الوحدة الصناعية الخاصة بالأشكال الحقنية، حققت الوكالة تفتيشا في الوحدة في شهر فبراير من السنة الجارية أظهر عدم جاهزية بعض التجهيزات الأساسية ( مركز الوزن، فضاء أخذ العينات، تجهيزات التعقيم) رغم توفر مخزون أمان لمدة أربعة أشهر، لكن تأخر جاهزية الوحدة الجديدة أحدث ضغطا حقيقيا على توفر هذا الدواء الحيوي، (هنا ظهرت وحدة صناع
مسطرة الترخيص الاستثنائي للاستيراد ترتكز على القانونين رقم 17.04بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة و10.22 المتعلق بأحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، يعتبران أن هذا النوع من التراخيص يمنح فقط في الحالات التي تستوجب ضرورة علاجية لدواء موصوف غير مسجل بالمغرب، التراخيص التي منحت سنة 2024 سجلت رقما كبيرا بسبب الضغط الذي عرفه السوق الدولي، ومنحت 529 رخصة مقابل 319 خلال السنة الحالية.
لكن الحكومة في الشق الثاني لم تجب بوانو حول ما إن صاحب الشركة هو عضو في الحكومة أم غير ذلك، بعيدا عن منطق التعامل مع مؤسسة خاضعة للقانون التجاري، وبعيدا عن منطق الأفراد، وما دام أن الجواب لم يكن شافيا، فإن الحكومة لم تنف عن نفسها تضارب المصالح.
بوانو أحصى على الحكومة في شخص وزارة الصحة تخويلها صفقة سنة 2025 عكس ما يقول الوزير التهراوي، بوانو كشف وسط جو مشحون أن شركة فارما بروم، التي يديرها حاليا شقيق العضو في الحكومة، حصلت على صفقات مخولة من وزارة الصحة على عهد الوزير التهراوي وصلت لما يزيد عن 32 مليون درهم، و8 ملايين دراهم، و50 مليون درهم من المراكز الاستشفائية.
بل إن بوانو لم يعتبر أن هناك مسار سهل للحصول على المعلومة بالنسبة للبعض، وهذا ما يخول الكثير من الفروق بالنسبة للراغبين في الحصول على هذه التراخيص وتهيئ الملفات.. ما يعني أن المعلومة المتاحة في دواليب الحكومة قد تغير مسار تنافس شفاف، وهذا ما يجعل الشفافية مجرد تأتيث للمشهد لا غير ما دام أن المعلومة غير متاحة على قدر المساواة….
بوانو لم يكتف بذلك بل اعتبر أنه ما دام أن التراخيص تمنح وفق مساطر تكون الحاجة إليها ليست ماسة بل ضرورية كما الحال بالنسبة لمادة البوتاسيوم، فلماذا لم تمنح ل 12 صنفا من الأدوية مفقودة بالكامل داخل السوق المغربي..
