“نظرية الظل: كيف يُصنع الفساد بلا ضجيج”

زلة قلم:

“نظرية الظل: كيف يُصنع الفساد بلا ضجيج”

بقلم: عبد الهادي بريويك

في المساء الذي خفتت فيه أنفاس الشيخ بوشعيب، تحولت الغرفة الضيقة إلى مساحة مشبعة بالصمت، كأن جدرانها تستعد لالتقاط آخر ما ستقوله ذاكرة رجل عاش طويلا بين ما يقال وما لا يقال.

جلس الابن عند حافة السرير، تائها بين الرغبة في الفهم والخوف من الحقيقة.

لم يسأله عن ثروة، ولا عن إرث، بل عن الشيء الوحيد الذي ظل يراه خلف عيني أبيه طوال حياته: سر إدارة مصالح العباد من حيث لا يراها أحد.

فتح الشيخ عينيه بصعوبة، وحدق فيه بنظرة تشبه اعترافا متأخرا.

قال بصوت خافت:

“ابني… السلطة ليست ما تظهره المنابر. السلطة الحقيقية تدرس في الظلال.”

سقط الكلام في قلب الابن كحجر في بئر.

واصل الشيخ، كمن يفتح أبوابا مغلقة منذ زمن:

“لا تسر وحدك.

هذه البلاد تدار بشبكات خفية، لا يعرفها المواطن، لكنها تعرف المواطن جيدا.

وحدها التحالفات، لا الكفاءات، هي التي ترفع أو تسقِط.”

ثم أضاف:

“ولا تحاول أن تتجاوز من وضع فوقك في السلم اللامرئي. التراتبية الحقيقية لا تكتب في القوانين، بل تفهم من حركة الأبواب ومن الصمت الذي يسبق القرارات.”

توقف قليلا، كمن يعيد ترتيب أنفاسه قبل أن يستعيد ذاكرة كاملة:

“اجعل صورتك دائما نظيفة.

فالناس لا يرون الخيوط التي تحرك المسرح، لكنهم يرون الواجهة.

والمشهد المصنوع بعناية قد يغطي على سنوات من العطب.”

رفع يده المرتعشة ونظر إلى السقف وكأنه يسترجع فصلا من كتاب غير مكتوب:

“وتعلّم لغة السلطة… فالكلمات تغير أكثر مما تغيره القرارات.

لا يسمى الفقر فقرا، بل ضيقا مؤقتا.

ولا الهزيمة هزيمة، بل انتقالا ضروريا.

الكلمات ليست وصفا… بل غطاء.”

ثم أطلق ضحكة قصيرة، رغم التعب الذي يثقل صدره:

“أما الرقابة… فهي كالحارس الذي ينام أحيانا.

وعندما تنام، يتسع الطريق لمن يعرف كيف يمر دون أن يراه أحد.”

أدار وجهه نحو ابنه، وكأنه يريد أن يختم درسا ملتبسا:

“إياك والمثقفين… يختلفون فيما بينهم حتى تنهكهم معاركهم، بينما القرارات تصاغ في أماكن أكثر هدوء … وأكثر تأثيرا.”

ساد الصمت، قبل أن يهمس الشيخ بصوت بالكاد يسمع:

“وإن وجدت يوما من يحرس العدالة يميل حين يجب أن يستقيم… فاعلم أنك وصلت بابا لا يفتحه إلا القليل.

بابا لا يدلّ على الطريق، بل على ما وراء الطريق.”

أغمض الشيخ عينيه، كمن أنهى وصيته الأخيرة، ثم تابع:

“هذه البلاد لا يحكمها الفساد ولا تحكمها المثالية… بل يحكمها صراع عتيق بين الضوء والظل.

اختر مكانك يا بني… لأن من يقف طويلا في الظل قد ينسى شكل الشمس.”

خرج الابن من الغرفة مثقلا بالمعنى، لا يخاف مما سمع، ولا يعرف هل كان ما سمعه حكمة، أم اعترافا، أم مرآة مشروخة لوطنٍ يتقاسم الضوء والظل في آن واحد.

وفي الممر الطويل المؤدي إلى الخارج، شعر أن العالم الذي كان يظنه بسيطا… قد اتسع فجأة، واتسعت معه الأسئلة التي لا يجيب عنها أحد.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*