بقلم: الدكتورة إلهام الوادي أستاذة القانون
باحثة في الشأن العام المغربي والسياسات العمومية
المرأة المغربية بين الواجهة السياسية والكواليس الحزبية
قراءة قانونية في حدود التمكين ورهانات التأثير
منذ دخول دستور 2011 حيز التنفيذ، أسند للمساواة بين الجنسين موقع مركزي داخل البنية الدستورية المغربية، باعتبارها حقًا وضمانة وغاية من غايات العدالة الدستورية. وقد جاء النص الدستوري بمقتضيات صريحة تدعم المشاركة السياسية للنساء، وفي مقدمتها الفصل 19 والفصل 30، فضلاً عن خلق آليات مؤسساتية كهيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.
ورغم هذا التقدم القانوني، ما تزال الساحة السياسية المغربية تفرز مفارقة لافتة: نساء يظهرن بقوة في الواجهة الانتخابية، وأخريات يواجهن سقفًا خفيًا داخل الكواليس الحزبية، حيث تصنع القرارات الحقيقية ويتم رسم خرائط النفوذ.
ومن هنا تنطلق هذه القراءة: هل تعكس التمثيلية النسائية الحالية انتقالًا نحو قوة فعلية؟ أم أن حضور النساء في كثير من الأحيان يظل محصورًا في دائرة الرمزية السياسية؟
أولاً: الإطار الدستوري والقانوني… مكاسب واضحة وحدود صامتة:
1. الجيل الجديد من القوانين الانتخابية
اعتماد اللائحة الوطنية ثم اللوائح الجهوية مثل خطوة متقدمة في تعزيز التمثيلية النسائية، استنادًا لمبدأ التمييز الإيجابي الذي يقره القانون المغربي، لتحقيق مساواة واقعية لا شكلية. وقد سمحت هذه الآليات بارتفاع نسبة النساء في البرلمان والمجالس المنتخبة.
إلا أن القوانين الانتخابية، رغم أهميتها، تبقى آليات ظرفية لا تنتج بالضرورة تحولاً بنيوياً داخل الأحزاب، طالما لم يتم تعزيزها بنظام داخلي ديمقراطي يفرض مشاركة النساء في صنع القرار الحزبي، لا فقط في اللوائح الانتخابية.
2. بين النص القانوني والممارسة السياسية
الإشكال الأكبر يكمن في الفجوة بين النص والممارسة. فالحقوق الدستورية لا تزال تصطدم أحيانًا بثقافة تنظيمية تقليدية، وبمراكز قوى داخلية تعيد إنتاج نفس البنية الهرمية التي تقصي المرأة من مواقع التأثير الحقيقية.
ثانياً: الواجهة السياسية… حضور عددي يفتقر إلى القوة التنفيذية:
1. الصورة العامة تقدم مؤشرات إيجابية
تزايد عدد البرلمانيات والوزيرات والمنتخبات يمنح انطباعًا بأن المغرب يقطع أشواطًا مهمة في مسار التمكين السياسي للمرأة، خاصة في ظل بروز وجوه نسائية استطاعت تقديم مبادرات تشريعية ورقابية ذات قيمة.
2. ولكن… هل يتحول هذا الحضور إلى سلطة تقرير؟
هنا يظهر سؤال جوهري:
هل تمتلك المرأة القدرة على التأثير في القرار السياسي من داخل مؤسساتها وحزبها؟ أم أن حضورها، رغم أهميته، يظل محكومًا بمنطق الرمزية؟
في العديد من الحالات، يصبح دور المرأة واجهة حداثية تعكس التزام الحزب بالمساواة، دون أن يعطيها صلاحيات حقيقية في الهوية الفكرية للحزب أو استراتيجيته أو برامجه التفاوضية.
ثالثاً: الكواليس الحزبية… حيث تصنع القوة وتحدد مسارات الصعود:
1. صناعة القرار الحزبي: بنية ذكورانية بامتياز
تظهر التجربة أن اللجنة التنفيذية أو المكتب السياسي، و اللجنة المركزية، و المجلس الوطني والأجهزة المنظمة للقرارات الكبرى للأحزاب لا تزال تدار غالبًا عبر نواة صلبة ذات هيمنة ذكورية. فالولاءات التنظيمية، تاريخ الحزب، وقواعد التعيين غير المعلنة تشكل عوامل حاسمة في رسم مستقبل القيادات.
2. معضلة التدرج داخل الهياكل:
بينما تصل بعض النساء إلى مواقع انتخابية مهمة بسرعة عبر آلية الكوطا، فإن صعودهن داخل البنية الحزبية غالبًا ما يكون بطيئًا، إن لم يكن مستعصيًا. والسبب هو:
– نقص التأطير الحزبي الحقيقي
– غياب مسارات واضحة للترقية التنظيمية
3. الثقافة التنظيمية التقليدية
لا تزال العديد من الأحزاب تعيد إنتاج نفس الثقافة السياسية التي تضع المرأة في واجهة رمزية لا تتجاوز حدود ” التمثيل” ، بينما يبقى ” التأثير” حكرًا على فاعلين آخرين.
رابعاً: قراءة نقدية… لماذا لم يتحول المكسب العددي إلى قوة سياسية؟
1. لأن التحول لم يمس البنية الداخلية بعمق:
القوانين تغير الواجهة…..
لكن الديمقراطية الداخلية تغير الجوهر.
2. لأن القيادات النسائية لا تزال استثناءً لا قاعدة
رغم وجود نساء متمكنات أثبتن قدرتهن على التدبير، ظلت النماذج القوية محدودة ومحصورة في أحزاب معدودة، لا تشكل بعد كتلة تأثير وازنة قادرة على دفع الأحزاب نحو إعادة هيكلة حقيقية.
3. لأن الأحزاب لم تعتبر بعد المرأة “رأسمالاً انتخابياً”
في حين أثبتت الانتخابات أن النساء قادرات على التعبئة وصناعة الرأي العام، لا تزال بعض الأحزاب تتعامل مع حضورهن بمنطق ” الحصة المفروضة قانوناً” .
خامساً: نحو تمكين حقيقي… إصلاحات ضرورية لإعادة التوازن:
1. إصلاح القوانين الداخلية للأحزاب:
– تقوية دور التنظيمات النسائية داخل الحزب
– فرض نسب في الأجهزة القيادية
– تفعيل مساطر شفافة للترشح للمناصب
2. تعزيز التكوين السياسي والقانوني للقيادات النسائية
تمكين المرأة يبدأ من التأهيل قبل التمكين، ومن بناء قدرات ترافعية وتشريعية داخل وخارج الحزب.
3. إعادة تعريف مفهوم القيادة داخل الأحزاب:
على الأحزاب أن تنتقل من تمثيلية النساء إلى استثمار الكفاءات النسائية، لأن التمثيل العددي وحده لا يصنع قيادة.
4. دور الإعلام والمجتمع المدني:
الإعلام مسؤول عن إبراز النسوة الفاعلات، لا فقط الشهيرات. والمجتمع المدني شريك في بناء رأي عام ضاغط يدفع باتجاه تمكين فعلي.
فبين الرمزية والقوة… أي مستقبل للمرأة السياسية المغربية؟
الواقع اليوم يكشف أن المرأة المغربية تقف عند مفترق طرق حساس:
واجهة سياسية تتسع، وكواليس حزبية ما تزال تضيق.
وبينهما، تتشكل معركة التمكين الفعلي، التي لن تحسم بالقوانين وحدها، ولا بالتمثيلية العددية، بل بإعادة بناء الثقافة الحزبية، وتمكين النساء من مواقع القرار، وتحويل وجودهن من حضور تجميلي إلى قوة تفاوضية وتشريعية مؤثرة.
إن تعزيز مكانة المرأة المغربية داخل الأحزاب ليس مجرد مسألة مساواة، بل هو شرط أساسي لدمقرطة الفعل السياسي وتجديد النخب وصناعة سياسات عمومية ذات نجاعة وعدالة.
