لجنة الصحافة المؤقتة بين رهانات الإصلاح وعواصف التسريبات قراءة سياسية في خلفيات التطورات الأخيرة

لجنة الصحافة المؤقتة بين رهانات الإصلاح وعواصف التسريبات قراءة سياسية في خلفيات التطورات الأخيرة

 

لم يعد الجدل الدائر حول اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة مجرد نقاش تنظيمي عابر، بل تحول إلى إختبار حقيقي لمدى إحترام الدولة لأسس التنظيم الذاتي للمهنة، ولحدود التدخل التنفيذي في فضاء يفترض أن يظل حرا ومستقلا.

فالمبدأ المؤسسي الذي برر به إنشاء اللجنة المؤقتة، وهو سد الفراغ الناجم عن غياب الإنتخابات، قد يفهم في إطاره القانوني الظرفي مادام أن المجلس الوطني للصحافة هو الآلية الدستورية الوحيدة لحكامة جيدة لقطاع الصحافة والنشر، غير أن ما يخشاه الصحفي اليوم أن يتحول “الاستثناء” إلى قاعدة، وأن تستقر هذه البنية المؤقتة كذراع ممتد فوق الحقل الإعلامي، بما يمس جوهر إستقلاليته ويقوض فلسفة التنظيم الذاتي التي إنتزعها الصحفيون عبر سنوات من النضال المهني.

ومن هذا المنطلق كانت ولازالت انتقادات النقابات والفيدراليات المهنية ذات أسس شرعية واضحة، فالتعيين من خارج الجسم الصحفي ينسف مبدأ التمثيلية، ويجعل الصحافة في موقع التابع بدل الشريك المؤسسي. والمشهد الإعلامي الذي احتاج عقودا من الزمن ليبني إستقلاليته، لا يحتمل اليوم ردة تضعف مكوناته الحيوية أو تمنح السلطة التنفيذية مدخلا واسعا للتأثير في بنى القرار المهني.

فما تفجر مؤخرا من معطيات خلال مثول الصحفي حميد المهداوي أمام لجنة التأديب والأخلاقيات يرقى إلى مستوى الصدمة والسكتة القلبية. فالتسريبات وما رافقها من ممارسات تمس حق الدفاع وشفافية المساطر، تمثل انحرافا جسيما عن الغاية التي أنشئت من أجلها هذه اللجان ، وهي حماية أخلاقيات المهنة لا خرقها، وصون الكرامة المهنية لا المساس بها. وهنا يطفو السؤال الثقيل على كل متتبع لقتامة هذا المشهد ، وهو هل تملك اللجنة أهلية مهنية وأخلاقية تخولها إصدار قرارات تمس مصير الصحفيين المهني ؟ أم أن الخلل أعمق من ذلك بكثير؟

كما أن ما يروج عبر المنصات ومواقع الأخبار من إتهامات متبادلة يعكس صراعا محتدما حول النفوذ داخل القطاع الإعلامي.

فمن الواضح أن بعض هذه الإتهامات قد يكون جزءا من توترات قديمة بين النقابات ومسؤولي المجلس، غير أن جزءا آخر منه، يضرب مباشرة في إستقلال الصحافة ويهدد مصداقية المؤسسات الساهرة على تنظيمها. وهنا يصبح واجبا العمل على التمييز بين الجدل السياسي المشروع وبين التجاوزات التي تستدعي تدخل المؤسسات القضائية.

وفي خضم هذا الجدل، برزت إساءات غير مسموح بها، صادرة عن بعض المسؤولين، تجاه مهنة المحاماة. غير أن الرد هنا لا يكون بالانفعال بل بالاستشهاد بالثوابت، فالمحاماة ليست مجرد مهنة، بل رسالة حضارية حملها رجالات الفكر والعدل على امتداد التاريخ.

إنها “ضمير العدالة” و“صوت من لا صوت له”، كما وصفها كبار الفلاسفة والمشرعين. وقد عبر الملوك عن مكانتها الراسخة، فالحسن الثاني رحمه الله اعتبرها «سدا منيعا من سدود الدولة الحديثة»، فيما أكد جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده أنها شريك أساسي في حماية الحقوق والحريات وصون دولة الحق والقانون.

من هنا، فإن أي تطاول على المحامين أو على حقوق المتقاضين لا يشكل خطأ إداريا، بل مساسا ببنية دستورية محورية في منظومة العدالة.

وهو ما يستوجب فتح تحقيق جاد وعاجل من طرف النيابة العامة، ليس فقط لتحديد المسؤوليات، بل لإعادة الإعتبار للقانون، ولطمأنة الجسم الصحفي والجسم الحقوقي عامة، ولترسيخ الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تكون ضمانة لا مصدرا للمخاوف وتصفية الحسابات.

لقد أصبح لزاما اليوم وضع آليات واضحة للمساءلة داخل اللجنة المؤقتة، وإلزامها بتقديم تقارير دورية علنية حول قراراتها ومساطرها، مع تسريع الإعداد للإنتخابات حقيقية وشفافة تعيد للصحفيين حقهم في اختيار ممثليهم. فالبقاء في وضع “المؤقت الدائم” يهدد بنسف ما تبقى من الثقة في التنظيم الذاتي للصحافة.

 

ختاما، إن اللحظة دقيقة والإمتحان ثقيل، والعيون كلها مفتوحة. فالمحامون والصحفيون والرأي العام الوطني ، وكل المؤمنين بسيادة القانون، يترقبون مسار الأحداث.

وما كشف للعلن لا يمكن تجاوزه بالصمت أو التبرير. إنها لحظة الحقيقة، فإما محاسبة و إصلاح عميق يعيد للمؤسسات إعتبارها، وإما انهيار تدريجي للثقة في قطاع هو أحد أعمدة الديمقراطية وهو الصحافة المهنية المستقلة.

 

د/ الحسين بكار السباعي

محلل سياسي وخبير إستراتيجي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*