الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي الجديد كخيار استراتيجي لإرساء عدالة اجتماعية ومجالية حقيقية في المغرب وبناء دولة الإنصاف وتكافؤ الفرص وتوازن التراب الوطني
الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي الجديد كخيار استراتيجي لإرساء عدالة اجتماعية ومجالية حقيقية في المغرب وبناء دولة الإنصاف وتكافؤ الفرص وتوازن التراب الوطني
اعداد بدر شاشا
تشهد المملكة المغربية مرحلة تاريخية دقيقة يتقاطع فيها طموح بناء دولة حديثة عادلة مع ضرورة معالجة التفاوتات العميقة التي تراكمت عبر عقود من المركزية المفرطة حيث أصبح من الواضح أن التنمية لا يمكن أن تحقق أهدافها الكبرى إلا إذا نزلت إلى الميدان ووصلت إلى الإنسان في المناطق المهمشة كما تصل إلى المدن الكبرى وأن العدالة الاجتماعية والمجالية لم تعد شعارًا سياسيًا بل أصبحت شرطًا ضروريًا لبناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي يشهدها العالم اليوم ومن هنا تبرز أهمية الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي الجديد باعتبارهما ثورة هادئة تهدف إلى إعادة توزيع السلطة والثروة وتوجيه الاستثمار بطريقة عادلة وتحويل كل جهة إلى قطب تنموي يخلق الثروة ويضمن الرفاه الاجتماعي لأبنائه
فالجهوية المتقدمة في عمقها ليست مجرد تقوية لصلاحيات الجماعات الترابية وليست مجرد نقل إداري للسلطات من المركز إلى الجهات بل هي تصور شامل يجعل المواطن في قلب القرار العمومي ويجعل المنتخب الجهوي مسؤولًا عن التنمية ويجعل الجهة قادرة على بلورة خطط واستراتيجيات تراعي خصوصياتها الاقتصادية والجغرافية والديمغرافية والاجتماعية وتستثمر مواردها الطبيعية والبشرية والثقافية من أجل تحسين مستوى العيش وخلق فرص الشغل ورفع القدرة التنافسية المحلية حتى تتحول الجهات من مجرد فضاءات للانتظار إلى فضاءات للإبداع والإنتاج وتكامل المشاريع
فالعديد من الجهات المغربية كانت تعيش لعقود طويلة على الهامش بسبب غياب رؤية تنموية تضعها ضمن الأولويات حيث بقيت بعض المناطق الجبلية والصحراوية والريفية محاصرة بالعزلة والفقر والبطالة والهشاشة بينما كانت عدة مدن ساحلية ومراكز حضرية تستفيد من معظم الاستثمارات وهو ما خلق فجوة مجالية كبيرة أثرت على التماسك الاجتماعي وأضعفت ثقة المواطنين في التنمية العادلة لذلك جاءت الجهوية المتقدمة لتعيد ترتيب العلاقة بين الدولة والجهات ولتضمن توزيعًا متوازنًا للمشاريع والموارد ولتحقيق عدالة مجالية يشعر بها المواطن في حياته اليومية سواء عبر تحسين البنيات التحتية أو توفير خدمات الصحة والتعليم أو خلق مناطق صناعية وتشجيع الاستثمار أو بناء طرق ومشاريع الماء والكهرباء والطاقات المتجددة
ومع إطلاق النموذج التنموي الجديد برزت رؤية أكثر عمقًا تعتبر أن التنمية ليست مجرد بنية تحتية ولا مجرد نمو اقتصادي بل هي مشروع حضاري شامل يهدف إلى بناء مجتمع الكرامة والعدالة والمساواة والفرص المتكافئة فجاء هذا النموذج ليطرح سؤال الفعالية وسؤال الإنصاف وسؤال الإنسان قبل كل شيء معتبرًا أن المواطن هو الثروة الحقيقية وأن الكفاءات المحلية هي المحرك الحقيقي للتغيير وأن الشباب يجب أن يكونوا في صلب التنمية وأن المرأة يجب أن تكون شريكًا أساسيًا وأن الجهة يجب أن تتحول إلى فضاء يحرر الطاقة الاجتماعية والإبداعية ويوفر حياة كريمة للجميع
ويرتكز النموذج التنموي الجديد على فكرة جوهرية مفادها أن المغرب لا يمكن أن يتقدم إلا إذا أصبحت التنمية عادلة في توزيعها وشاملة في أهدافها ومستدامة في نتائجها وأن العدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا إذا تم تقليص الفوارق بين الأغنياء والفقراء وبين المدن والقرى وبين الشمال والجنوب وبين الحكومة والمواطن وبين الخدمات الجيدة والخدمات المتردية لذلك يركز على تحسين التعليم لأنه أساس تكافؤ الفرص وعلى توفير الرعاية الصحية لأنه أساس الكرامة وعلى دعم التشغيل لأنه أساس العيش الكريم وعلى تطوير الاقتصاد الأخضر لأنه أساس المستقبل وعلى رقمنة الإدارة لأنها أساس الشفافية وسرعة الخدمة وعلى مكافحة الفساد والزبونية لأنها أساس الثقة بين المواطن والدولة
ومن أكبر رهانات العدالة المجالية أن لا تبقى الجبال معزولة ولا تبقى الواحات مهددة بالتصحر ولا تبقى القرى بلا طرق ولا تبقى الجهات البعيدة تعيش بنية اقتصادية ضعيفة بل يجب أن تصبح كل منطقة جزءًا من مشروع وطني كبير يربط بين التنمية والبشر ويحرك كل الطاقات المحلية عبر خلق موانئ جديدة وطرق سيارة وسكك حديدية ومدن صناعية ذكية وربط العالم القروي بالماء الصالح للشرب وشبكات التوزيع وتشجيع الفلاحين الصغار عبر الدعم والمواكبة وجذب الاستثمارات إلى الأقاليم التي لم تكن ضمن الخريطة التقليدية للمشاريع الكبرى
إن العدالة الاجتماعية والمجالية ليست مجرد خطوة تقنية بل هي فلسفة تنطلق من أن الإنسان أينما كان وله أية ظروف كان يحق له أن يستفيد من نفس الخدمات ومن نفس فرص الشغل ومن نفس جودة التعليم والصحة ومن حقه أن يعيش بكرامة وأن يستفيد من خيرات بلده دون أن يضطر إلى الهجرة نحو المدن أو إلى الخارج بحثًا عن فرص أفضل لذلك تشكل الجهوية المتقدمة جسرًا أساسيًا للانتقال من المغرب النافع وغير النافع إلى مغرب واحد متساوٍ في الحقوق والواجبات ومتكامل في الأدوار ومتكافئ في الفرص
ويظهر بوضوح أن مستقبل المغرب سيُبنى على أساس هذا التزاوج بين الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي الجديد لأنهما يمثلان فلسفة مشتركة تقوم على تفويض السلطة وتوسيع المشاركة وإشراك المواطن في الحلول ونقل التنمية إلى حيث يوجد الإنسان وليس إلى حيث توجد المكاتب المركزية لأن التنمية التي لا تصل إلى الميدان تبقى مجرد ورق وخطابات بينما التنمية التي تُخطط من قبل أبناء الجهة وتنفذ داخل الجهة وتخدم أبناء الجهة تكون أكثر واقعية وأكثر عدالة وأكثر قدرة على خلق الثروة والحفاظ عليها
وستظل العدالة الاجتماعية والمجالية هي البوصلة التي توجه هذا التحول الكبير لأنها تؤسس لمغرب لا يبقى فيه الطفل الفقير حبيسًا لظروف مولده ولا تبقى فيه المرأة في المناطق البعيدة محرومة من التطبيب ولا يبقى فيه الشاب بلا أمل في الشغل ولا يبقى فيه المسن بلا حماية اجتماعية ولا يبقى فيه العالم القروي خارج مسار العصرنة والتنمية ويصبح فيه كل مواطن مشاركًا في بناء وطنه وليس مجرد متلقي لقرارات مركزية
وبهذا تصبح الجهوية المتقدمة ليست فقط إصلاحًا إداريًا بل ثورة صامتة تبني مغرب التوازن والمساواة والجهد المشترك ويصبح النموذج التنموي الجديد ليس فقط تقريرًا استراتيجيًا بل مشروعًا وطنيًا يفتح أفقًا واسعًا لمغرب أكثر عدلًا وجودة في الحياة وأكثر قوة وتماسكًا في المستقبل ويصبح المجتمع المغربي أكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية والديمغرافية ويصبح الإنسان المغربي في قلب التنمية كما أراده الدستور وكما يطمح إليه الشعب وكما تعمل الدولة على تحقيقه عبر سياسات واقعية وإصلاحات عميقة وتحولات جذرية
